تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان ذلك في عهد سابور الجنود بن أرد شير (241-272م) الذي هاجم الحضر، وحاصرها إلى سقطت بيده بعد سنتين من صمود أهلها، وقد أشار الأعشى في شعره إلى ذلك الصمود، وذكر دعوة ملك الحضر أهله إلى الموت كرماً(1).

وربّ مطلّع على الأشعار التي قيلت في سقوط مملكة الحضر يرى أنها تخلو من الإشارة إلى الانتماء العربي، ولكن انعدام الاشارة الصريحة إلى وجود ذلك الانتماءلا ينفي اعتماله، في نفوس قائلي تلك الأشعار؛ فالصلة النسبية بعيدة بينهم وبين أهل الحضر، وهذا مِمّا يرجح أن الاهتمام بسقوط الحضر دافعه شعور بالانتماء القومي العربي، ويقوّي القول بصحة وجود ذلك الدافع أن اثنين (أبا داؤود، والأعشى) من أولئك الشعراء ينتميان إلى قبيلتين حاربتا الفرس، هما: إياد وبكر.

إن سقوط مملكة الحضر هوتحطيم لجهد قبائل قضاعة في إقامة كيان سياسي في العراق مستقلّ عن النفوذ الفارسي، وهو كيان لو قدر له البقاء، لكان دولة عربية جاذبة لكثير من العرب الراغبين في الإقامة في العراق، وفي التحرر من سيطرة الفرس عليهم، ومن الظاهر أن الفرس أدركوا خطورة (الحضر) على وجودهم في العراق فأصروا على تحطيمها، فهدموا المدينة، وقتّلوا، وشردوا أهلها بعد حصار دام سنتين(2)، تدلان على إصرار الفرس على الاستيلاء على الحضر، وعلى شدة مقاومة أهلها لأعدائهم.

(1) انظر شرح ديوان الأعشى ص 318- 319، وروي في معجم البلدان: (الحضر) أن سابور قَتَلَ حين تغلّب على الحضر نحو مائة رجل ( وهذا الرقم مبالغ فيه) وأفنى قبائل كثيرة بادت إلى يومنا هذا، وفيه أبيات للجديّ بن الدلهاث يذكر فيها بألم حدث سقوط الحضر وانظر أخبار الحضر في الأغاني 2/133-136 وسيرة ابن هشام 1/65-66، ومعجم البلدان: (الحضر).

(2) وقيل: دام الحصار أربع سنوات (انظر الأغاني 2/134).

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٥٣