وكان بين العرب والفرس تمايز بالألبسة(1)، وقد أدرك العرب هذا التمايز، واستنكروا إقدام فئة منهم على التزّيي بزيّ الأعاجم، وذلك واضح في قول حسان لوفد تميم حين جاؤوا لمفاخرة الرسول صلى الله عليه وسلم(2):
فإنْ كنتمُ جِئتُمْ لِحْقِنِ دمائِكُمْ ... وأموالِكُمْ أنْ تُقْسَمُوا في المَقَاسِمِ
[فلا] تَجْعَلُوا للَّهِ نِدّاً وأَسْلِمُوا ... ولا تَلْبَسُوا زيَّاً كَزِيِّ الأعاجمِ
وإضافة إلى ماسبق أدرك العرب تمايزهم من الأعاجم بالخِلقَة، ولاسيما اللون منها(3)، وبذلك تتراءى لنا معالم وجود عربيّ يدرك أبناؤه الانتماء إليه، وإذا أعدنا النظر في الأشعار الدالة على ذلك الوجود المتميز فسوف نلحظ تعصب العرب على الأعاجم ولكن ذلك لا ينفي وجود مايدل على التواصل والتسامح بين الفريقين، ولعل في دراسة العلاقات بينهما ما يوضح مشاعر الانتماء العربي عند الجاهليين، وهم يستجيبون لتحديات الصراع مع الأمم المجاورة.
4- مجابهة التحديات الخارجية:
كانت ثلاث الأمم (الفرس والروم والأحباش) المحيطة بالوجود العربي الجاهلي تسعى إلى توسيع دوائر نفوذها باحتلال الأرض العربية لاستغلالها، ولاستعباد الإنسان العربي واستغلاله، فكان الصراع مع تلك الأمم أمراً لا محيد عنه، وكان الصراع يزداد عنفاً بازدياد الرغبة في تملك الأرض ولاسيما في الشمال الشرقيّ من الجزيرة العربية، حيث كانت ترسم الحدود المكانية الفاصلة بين العرب والفرس، وتتحدّد ملكية الأراضي المتنازع على استغلالها.
أ- الصراع مع الفرس:
(1) في الشعر الجاهلي إشارات إلى بعض ماكان يلبسه الفرس (انظر ديوان امرئ القيس ص 175، وديوان الشماخ ص 94، وشرح اختيارت المفضل 2/1021.
(2) ديوان حسان ص 237، وأضفت (فلا) ليستقيم الوزن والمعنى.
(3) انظر هذه الدراسة ص 175-177