أيّها النّاسُ إنَّ رأيي يُريني ... وهو الرأيُ- طوفَةً في البلادِ
بالعوالي والقنابل تَرْدي ... بالبطاريقِ مِشْيَةَ العُوَّادِ
وبجيشٍ عَرَمْرَمٍ عَرَبِيٍّ ... جَحْفَلٍ يَستَجيبُ صَوْتَ المنادِي
من تَميمٍ وخِنْدِفٍ وإيادٍ ... والبهاليلِ حِميرٍ ومُرادِ
وإذا صحت نسبة الأبيات السابقة إلى حَسّان بن تبع فهي من الأدلة الصريحة على إدراك الجاهليين انتماءهم -على الرغم من تعدد أنسابهم وتجمّعاتهم السكانية إلى رابطة توحدهم هي رابطة العروبة التي أنتجها جدل الإنسان الجاهلي، وهذا الجدل ليس تفاعلاً إنسانياً بين الجاهليين فوق أرضهم الخاصة، وبلغتهم الخاصة فحسب ولكنه تفاعل بين الجاهليين وغيرهم أيضاً، وإذا كان نتاج التفاعل الأول تكوين الوجود العربي المتميز بلغته وأرضه وتاريخه المشترك، وهمومه المشتركة فإن تفاعل الجاهليين مع غيرهم أنتج وعي الجاهليين بوجودهم المتميزّ وأسهم في تطوّرهم على الرغم من الصراعات العنيفة التي نشبت بينهم وبين الفرس والأحباش بخاصة، فكيف كان ذلك.
***
3- إحساس العرب بالتَّمايز
اتصل العرب بالأمم القريبة منهم اتصالاً مباشراً سلماً وحرباً، فأدركوا بالتفاعل مع تلك الأمم أنهم متميزون باللغة العربية بخاصة، فالذين يتكلمون العربية هم العرب، ومن سواهم عجم، وهؤلاء العجم أجناس، أشهرها الفرس والروم والأحباش والأنباط، ولقد أظهر الجاهليون ذلك في أشعارهم(1).
(1) انظر ذلك مفصلاً في هذه الدراسة ص 173- 174، وثمة أجناس أعجمية أخرى ذكرت في الشعر منها الحاميون (انظر ديوان حسان ص 96-97، وشرح ديوان عنترة ص145) والهنود (انظر شرح ديوان لبيد ص 142)، والبربر (وانظر ديوان امرئ القيس ص 66).