كانت ملامح الشعبين: القحطاني (أهالي اليمن بخاصة) والعدناني (أهالي نجد والحجاز بخاصة)- واضحة المعالم في الجاهلية، وإلى جانب ذلك وجدت تجمّعات عربية في غير تلك البقاع تعيش في طور تشكيل شعوب عربية، ولاسيما في العراق والشام ومِمّا يدل على ذلك الطور تمايز الجاهليين بالانتماء إلى أوطان كبيرة أفصح عنها الشعراء الجاهليون ومنها العراق والشام إلى جانب اليمن والحجاز ونجد(1).
وقد أدرك الجاهليون - على الرغم من تمايزهم بالنسب والمكان والدين وطرائق المعيشة -أنهم ينتمون إلى تجمع كبير متآلف يشملهم، ولا يلغي تعدّدهم، لقد أدركوا أنهم عَرَب؛ ومن ذكر العرب في أشعارهم قول دريد بن الصمة يمدح عبد الله بن جدعان(2):
رَحَلْتُ البلادَ فما إنْ أَرَى ... شَبيهَ ابنِ جُدْعانَ وَسْطَ العربْ
ومن ذكر الانتماء إلى العرب في الشعر قول امرئ القيس(3):
................................... ... نَوَى عَرَبِيَّاتٍ يَشِمْنَ البَوارِقَا
وقول النابغة الجعدي(4):
وما عُلِمَتْ منْ عُصْبَةٍ عَرَبيَّةٍ ... كَمِيلادِنا مِنّا أَعَزَّ وَأَكْبَرَا
ونُسِبَ حسان بن تُبّع الحميري حين أراد أن يغزو الفرس والروم قوله(5):
(1) انظر هذه الدراسة ص 184، 188-191 وقد تولد لدى بعض الجاهليين شعور بوجود فارق بين القحطانيين المقيمين في اليمن، والقحطانيين المقيمين في العراق والشام، ومما يدل على ذلك أن عامر بن الطفيل العامري أنكر على يزيد بن عبد المدان أن يفخر بالمناذرة ودعاه إلى الفخر بقومه القريبين منه في اليمن فحسب، (انظر ديوان عامر ص 139، والأغاني 12/14-15).
(2) ديوان دريد ص 33، ولذكر العرب في الشعر انظر أيضاً ديوان حسان ص 225،292-293، والأغاني 14/147.
(3) ديوان امرئ القيس ص 195، والنوى: الوجه الذي يقصد ويراد، ويشمن: ينظر أين وقع السحاب وفيه البرق.
(4) شعر النابغة ص 50
(5) الأغاني 22/317