ولكن رغبة الأعشى وأمثاله بالوحدة والاستقلال بقيادة قحطانية لم يكتب لها النجاح، فقد لقيت معارضة سياسية من المناذرة بخاصة(1)، كما لقيت معارضة من أغلب العدنانيين، فقد خبروا قيادة القحطانيين لهم فبان فسادها، وظهر لهم استعلاء القحطانيين عليهم بالسيادة والملك، وقد رأينا ذلك في مفاخرة يزيد بن عبد المدان لعامر بن الطفيل ومثل ذلك قول عُبيد بن عبد العزّي السلامي يفخر بإخضاع الملوك القحطانيين للعدنانيين(2):
ومنِّا بنو ماءِ السَّماءِ وَمُنْذِرٌ ... وَجَفْنَةُ مِنّا والقُرومُ النّزايعُ
قبائلُ مِنْ غَسَّانَ تَسْمُوا بِعامِرٍ ... إذا انْتَسَبَتْ والأزْدُ بَعْدُ الجَوامِعُ
أدانَ لنا النُّعمانُ قَيسْاً وَخِنْدفاً ... أدانَ، ولم يَمْنَعْ رَبيعةَ مانِعُ
وكان من المنطقي أن يقع الصراع بين العدنانيين والقحطانيين، ومن الشعر المعبّر عن بعض ذلك قول أنيف بن حكم النبهاني الطائي(3):
دَعَوا لِنِزارٍ وانْتَمَيَنا لطِّيءٍ ... كَأُسْد الشَّرى إقْدَامُها وَنِزالُها
(1) يرى د. نجيب البهبيتي أن الشعراء الجاهليين هم زعماء الوحدة العربية، وأبطال الاستقلال آنذاك وأنهم توجهوا بالعداء إلى دولة الحيرة لأنها تسبّبَت في تعطيل الوحدة العربية، وقد سقط بعض أولئك الشعراء ضحايا نضالهم القومي وهرب بعضهم من بطش ملوك الحيرة (انظر تاريخ الشعر العربي ص 31-32).
(2) قصائد جاهلية نادرة ص 124، والنزايع: الشرفاء الذي ينزعون إلى نسب كريم، وانظر مثل ذلك في فخر حسان (ديوانه ص 237) على وفد تميم، وافتخر الأفوه الأودي (ديوانه ص 13) بأنّ لقومه شرفاً ورثوه (قبل أن ينسب للناس نزار).
(3) شرح ديوان الحماسة 1/171.