تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت التجارة من المظاهر البارزة للتواصل بين الشماليين والجنوبيين، وكذلك التقارب الديني بينهما، ولكن المظهر الأكثر بروزاً للتواصل هو الهجرات البشرية من موطن إلى آخر، وكانت أغلب الهجرات من الجنوب إلى الشمال، ومن ذلك نزول طيء في جبلي أجأ وسلمى، ونزول الأوس والخزرج في يثرب.

وقدعبرّ التفوّق الحضاريّ للجنوبيين على الشماليين عن نفسه بسيطرة سياسية للقحطانيين على العدنانين، فكانت الطبقة الملكية العربية في الجاهلية قحطانية نسباً، وقد ارتضى قسم من العدنانيين ذلك، وأقرّوا بتقدم القحطانيين عليهم، ومن الأخبار البالغة الدلالة على ذلك أن يزيد بن المدان الحارث، المذحجّي القحطاني، قال لعامر بن الطفيل الهوازنيّ، العدنانيّ: يا عامر، هل تعلمُ شاعراً من قومي رحل بمدحةٍ إلى رجل من قومك؟ قال اللهم لا، قال: فهل تعلم أن شعراء قومك يرحلون بمدائحهم إلى قومي؟ قال: اللهمَّ نعم، قال: فهل لكم نجمٌ يمانٍ أو بُرْدٌ يمان أو سيف يمان أو رُكْنٌ يمانٍ؟ قال لا، قال: فهل ملكناكم ولم تملكونا؟ قال: نعم، فنهض يزيد، وأنشأ يقول:

أُمَيَّ يا بنَ الأسكرِ بن مُدْلِجِ ... لا تَجْعَلَنْ هَوَازناً كمذْحِجِ(1)

إن رفض يزيد للمساواة بين هوازن (العدنانيين) ومذحج (القحطانيين) مُعَلَّل بأمور منها التبعِيَّة السياسية والتقدم الحرفيّ وقد اتصل الخبر السابق بشعر لمرّة بن دُودانَ العامريّ، فقد طلب منه العامريون أن يهجو بني الدّيان رهط يزيد، فلم يطاوعهم، واستبدل بالهجاء مديحاً، فقال(2):

تُكَلفَّني هوازِنُ فَخْرَ قَوْمٍ ... يقولون: الأنامُ لنا عبيدُ

أبونا مَذْحِجٌ وبنو أبيهِ ... إذا ما عُدَّتِ الآباءُ هُودُ

(1) الأغاني 12/13 والمخاطب في الشعر هو أُمَيَّة بن الأسكر الكناني (ت نحو 20هـ) وكان حاضراً الحوار بين يزيد وعامر.

(2) المصدر السابق 12/15 وهود: جمع هائد وهو الراجع إلى الحق.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٤٠