وراحَ بها مِنْ ذي المَجَازِ عَشِيَّةٌ ... يُبَادِرُ أُولَى السَّابِقَاتِ إلى الحَبْلِ
فَجِئْنَ وجاءَتْ بَيْنَهُنَّ، وإنّهُ ... لَيَمْسَحُ ذِفْرَاها، تَزَعَّمُ كالفَحْلِ
فجاءَ بها كَيْما يُوَفِّيَ حَجَّهُ ... نَديمُ كِرامٍ غَيْرُ نِكْسٍ ولا وَغْلِ
فباتَ بِجَمْعٍٍ ثُمَّ تَمَّ إلى مِنىً ... فَأَصَبَحَ رَاداً يَبْتَغِي المِزْجَ بالسَّحْلِ
فجاءَ بَمْزجٍ لم يَرَ الناسُ مِثْلَهُ ... هُوَ الضَّحْكُ إلاّ أنّهُ المِزْجَ بالسَّحْلِ
يَمَانِّيةٍ أحْيَا لها مَظَّ مأبَدٍ ... وآلَ قَرَاسٍ صَوْبُ أَرْميَّةٍ كُحْلِ
فَما إنّ هُمَا في صَحْفَةٍ بارِقيَّةٍ ... جديدٍ أُرِقّتْ بالقَدُومِ وبالصَّقْلِ
بأطْيَبَ مِن فيها إذا جئتُ طَارقاً ... وَلَمْ يُتَبّيَّنْ ساطِعُ الأُفُقِ المُجْلي
إنّ الأبيات السابقة تقدّم لنا تصويراً لبعض مظاهر تجارة الجاهليين التي تحقّق بها التواصل والأمن، فهي تشير إلى تاجر جلب الخمر من أطراف الشام، من سوق أذْرِعاتِ، وقد ابتاعها من أهل بُصرى وغزّة، فوافى بها عُسْفَان (منهل ماء بين مكة ويثرب) ثم أتى بها سوق ثم ذي المجاز بعرفة، وقد جمع ذلك التاجر بين الحدجّ والتجارة، فأدّى شعائر الحج، وإضافة إلى الخمرة الشآمية تذكر الأبيات العسل المجلوب من اليمن، والجفنة المصنوعة ببارق(1).
(1) لمزيد من الأشعار الدالة على التجارة عند الجاهليين انظر ديوان امرئ القيس ص 25، وديوان الشماخ ص 193، وديوان عامر ص 104، وشرح ديوان الأعشى ص 623، وشرح اشعار الهذليين 1/74.