إن تشبيه لبيد لقومه، وهو يفتخر بهم، بأسرٍ تميمية يدل على إقراره وغيره بمبدأ التساوي بين الصرحاء، بل إن في تشبيه لبيد مايوحي بإقراره بتقديم أولئك التميمين على قومه.
ومن إقرار الصرحاء بتقدُم بعضهم على بعض وجود حكام يقضون بين متخاصمين يفدون إليهم، يقول المثقب العبديّ(1):
مَثَلاً يضرِبُهُ حكَّامُنا ... قَولُهمْ: (في بيتهِ يُؤتى الحَكَمْ).
فالحَكَمُ يأتيه متخاصمون من غير قبيلته، فيقضي بينهم، ويظهر ذلك في المنافرات، ومنها المنافرة بين عامر بين الطفيل وعلقمة بن علاثة العامريَّيْنِ، وقد أنشدت فيها أشعاراً كثيرة، منها قول مروان بن سُراقة العامري حين طُلب من قريش أن تحكم بين عامر وعلقمة(2):
يَالَ قُرَيشٍ بَيِّنُوا الكَلاَما
إنّا رَضِينا مُنكُمُ الأحْكَامَا
وقول لبيد حين طُلِب من هَرِم بن قطبة الفزارِيّ أن يحكم بينهما(3):
يا هَرِم بنَ الأكرَمينَ مَنْصِبا
إنّكَ قَدْ وَليتَ حُكْماً مُعْجبا
فاحْكُمْ وَصَوِّبْ رأس مَنْ تَصَوَّبا
إنّ في المجيء، إلى الحكم، والرضا بحكمه تقديراً وتقديماً للحكم ولقومه، وإقراراً بوجود قيم مشتركة، يتم الحكم بين الجاهليين على أساسها.
ويكثر إقرار الصرحاء لبعضهم بالفضل والتقدم في أشعار المديح والرثاء، وعلى الرغم من اختلاف دوافع الشعراء في المديح والرثاء، فإنّ أشعارهم في ذلك قاربت بين الجاهليين، وأظهرت فضل بعضهم على بعض ومن ذلك المديح قول عامر بن مالك العامِريّ يذكر يداً لأوس بن حارثة الطائي عليه(4):
أَلمْ تَرَنِي رَحَلْتُ العِيسَ يَوْماً ... إلى أَوْسِ بنِ حارثَةَ بنِ لأْمِ
إلى ضَخْمِ الدَّسِيعَةَ مَذحجِيٍّ ... نَمَاهُ منْ جَديلَةَ خَيْرُ نامِ
(1) ديون شعر المثقب ص 292
(2) أشعار العامريين الجاهليين ص 82.
(3) شرح ديوان لبيد ص 331
(4) اشعار العامريين الجاهليين ص69.