تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شهد العصر الجاهلي إرهاصات الولادة الطبيعية للأمة العربية، ففي أثناء التفاعل الإنساني الطويل فوق الجزيرة العربية وفيما حولها، تكونت علاقات تواصل كثيرة بين سكان تلك الجزيرة، وحدث ارتباط وثيق لهم بها، وظهر بذلك وجود إنسانيّ عربي متميز بلغة محددة، وأرضٍ تتحدّد أطرافها، وثقافة خاصة، وهذا التمّيّز صنعه الجاهليون بالحرب والسلام، وبالعصبية والتسامح، وبالارحال والاستقرار، وبالشعر والدين، وبغير ذلك، لقد صنع الجاهليون تاريخاً مشتركاً(1)، فتشابهت ظروفهم، وتحتّم عليهم لذلك أن يَتَّحد جُهدهم، وفكرهم من أجل حذف مايعوق التطور (التشرذم وعدم الاستقرار) وإضافة مايحقق التطور (الوحدة والاستقرار).

لقد تبين لنا في أثناء هذه الدراسة أن العصبية للنسب الصريح كانت العائق الأكبر لتطور الإنسان الجاهلي، ولكن رغبته في التخلص من عوائق تقدمه دفعته إلى الحدّ من غلواء العصبية إلى ذلك النسب؛ فكان التواصل بين الجماعات الصريحة بالزواج والالتصاق، وبالاستقرار المكانيّ، وبتشكيل طبقات اجتماعية وسياسية، وبالحلف والجور، ومايشبههما، وبالانقسام والتوحّد الدينَّيين، وبذلك التواصل تنوع انتماء الإنسان الجاهلي، وازداد شمولاً إذ تجاوز إطار القبيلة: أبناءها الصرحاء، ومنازلها، وديانتها؛ فكانت الانتماءات المكانية والسياسية والاجتماعية والدينية المتنوّعة، والمطوّرة للانتماء النسبيّ الصريح.

(1) ثمة اشعار تدلّ على أن عرب الجاهلية كانوا يدركون بعضاً من تاريخهم القديم، ويعون أحداث عصرهم المهمة، وقد ذكرت أحداث ذلك التاريخ في أشعارهم على سبيل العظة، بمن باد من العرب، وبمن ارتحل من عظمائهم، انظر مثلاً ديوان ذي الإصبع ص99، وشرح ديوان لبيد 34، 54-56، 108-109 وشعر زهير 15، وشعر النمر ص 104-106، وشرح اختيارات المفضل 2/968-971.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٢٩