إن الشاعر أسدي من عرب الشمال يعتقد بأخوّته للخم وجذام، وهم من عرب الجنوب وتلك - لعمري- إخوة إنسانية تدل على تجاوز فئة من الجاهليين بالدين للعصبية النسبية، واقترابها من حدود العروبة والإنسانية.
لقد ظهرت لنا الآثار العميقة لانتماءات الجاهليين الدينية في تطوير حياتهم، ولست أجد بعد ذلك مايوجب الدلالة على شدة تدين الجاهليين، أو مايوجب الرد على القائلين بأن الجاهلي كان لا يؤمن إلا بالحياة الحاضرة فلو كان الأمر كذلك لَمَا كان للدين تلك الآثار العميقة(1)، ولما كان التدين من سمات الجاهليين، وكان الإيمان بالله متغلغلاً في نفوسهم فإن كثيراً منهم وجدوا في الانتماء الديني الطمأنينية، والعزاء للنفوس المتعبة، وقد دّل على مثل ذلك عدي بن زيد، وهو في سجن النعمان، في قوله(2):
وإنّي قَدْ وَكَلْتُ اليومَ أمْري ... إلى رّبٍّ قَريبٍ مُستجيبِ
***
2- الانتماء العربيّ
1- التكوين التاريخي للعرب الجاهليين:
(1) ثمة أشعار تدل على نفور أصحابها من بعض الأصنام، وضعف إيمانهم بها (انظر ديوان امرئ القيس ص 460، وديوان العباس ص 151) ولكن تلك الأشعار لا تصمد أمام كثرة الدلائل على عمق المعتقدات الدينية في نفوس الجاهليين ومن الأخبار البالغة الدلالة على ذلك أن امرأة العباس بن مرداس السلمي تركت زوجها، وقوضت بيتها وارتحلت إلى قومها حين علمت بإسلامه، ولها شعر في ذلك (انظر الأغاني 14/298-299).
(2) ديوان عدي ص41