قسمت الانتماءات الدينية الجاهلية الناس إلى مجموعات يربط بين كل منها رابط الدين لا النسب، مع ملاحظة أن الدين يطور النسب، ولا يلغيه، وقد مر امتناع ذي الإصبع العدواني عن بري ابن عمه لسببين: هما: أواصر القربى (النسب) ورهبة اللّه (الدين).
إن ماذكر عن تعايش القبائل تحت ظلال التسامح الديني، والإيمان بالله الواحد، والحج إلى البيوت المقدسة، ولاسيما مكة والإقرار بوجود واحات السلام، وأشهر حرم، والدعوة إلى إقامة العدل الذي يرضاه الله - يدلّ على تواصل الجاهليين، وعلى انقسامهم أيضاً وفق أسس عمادها الدين.
وإن في إقرار قبيلة بتقديم غيرها عليها لأسباب دينية دليلاً على تطامن العصبية للنسب الصريح أمام الانتماء الديني، وعلى استعداد القبائل للانقياد إلى قبيلة تمتلك قيماً دينية تتطور بها، بل كان في شعائر الحج مايدل على استعداد القبائل للانقياد إلى رجل واحد يلي شؤونها الدينية، وقد اشير إلى مايدل على ذلك في نسئ القَلّمّس الكناني ثم أولاده من بعده للشهور، ومثل ذلك انقياد الحُجّاج إلى رجل واحد يخطبهم ويجيزهم، فيدفع بهم من عرفات(1).
وكان الانتماء الديني من أسباب الاعتقاد بأن الناس متساوون، وفي ذلك يقول عبيد بن الأبرص(2):
أَبْلِغْ جُذاماً ولَخْماً إنْ عَرَضْتَ لَهُمْ ... والقومُ ينفَعُهُمْ عِلْمٌ إذا عَلِمُوا
بأنّكمْ في كتابِ اللهِ إخوانُنا ... إذا تُقُسِّمَتِ الأرْحامُ والنّسَمُ
(1) انظر بعض الأخبار والأشعار الدالة على ذلك في ديوان ذي الإصبح ص47، والأغاني 3/90-91، والعقد الفريد 3/347، ومعجم البلدان: (ثبير)، ومعجم الشعراء ص 294-295.
(2) ديوان عبيد ص 120، ونسب الشعر إلى سمعان بن هبيرة الأسدي.
من هؤلاء د. محمد النويهي. انظر الشعهر الجاهلي 1/426-430 .