إن خشية الله تدفع إلى إقامة العدل، وإلى السلوك القويم، وذلك عند المؤمن باللّه خير زاد في قول المتلّمس الضُّبَعِّي(1):
وَأَعْلَمُ عِلْمَ حَقٍّ، غَيْرَ ظنٍّ ... وتقوى اللّهِ مِنْ خَيْرِ العَتادِ
ورهبة اللّه أحد سببين لإعراض ذي الإصبع العدواني عن أذاة ابن عمه، يقول ذو الإصبع مخاطباً ابن عمه(2):
لولا أواصِرُ قُرْبَى لَستَ تَحْفَظُها ... وَرَهْبَةُ اللّهِ في مَوْلىً يُعَادِيني
إذاً بَرَيْتُكُ بَرْياً لا انْجِبارَ لَهُ ... إنّي رَأَيْتُكَ لا تَنْفَكُّ تَبْرِيني
إن خشية الجاهلي للّه جعلته يتقيد بأمور يوجبها عليه انتماؤه الديني، ويبدو من شعر لعمرو بن الإطنابة الخزرجي أن تلك الأمور كان لها الصدارة بين الأمور التي ينشغل بها قومه في مجالسهم، يقول عمرو(3):
إنّي مِنَ القَومِ الذينَ إذا انْتَدَوْا ... بَدَأوا بِحَقِّ اللِه ثُمَّ النائلِ
لقد أسهمت الانتماءات الدينية الجاهلية في تطوير حياة الجاهليين، وقد دّلّ على ذلك سيادة التسامح الديني بينهم، وشيوع الإيمان باللّه الواحد، رب الكون والناس كلهم، وكذلك إحلال السلام في شهور معلومة، وأماكن محددة، وفي تَسَرّب مفاهيم دينية عن السلام والعدل والحقّ إلى نفوس الجاهليين، وفي ذلك تطوير للانتماءات النسبية، والمكانية والاجتماعية والسياسية؛ فالإيمان بالله الواحد يشمل الانتماءات السابقة، ويطّورها، ولمّا كان التعصّب للنسب الصريح أكثر تعويقاً لتطور الجاهليين من الانتماءات الأخرى فسوف أبرز أثر الانتماءات الدينية في تطور الانتماء النسبي الصريح.
(1) ديوان شعر المتلمس ص 172
(2) ديوان ذي الإصبع ص 90-91 بريتك: أخذت منك، وأضعفتك.
(3) شرح ديوان الحماسة 4/1632