يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظلْمِ مَغْفِرَةً ... ومِنْ إساءَة أَهْلِ السُّوْءِ إحْسَانا
كأنَّ ربَّكَ لم يَخْلُق لِخَشْيَتِهِ ... سِواهُمُ مِن جميعِ الناسِ إِنْسَانا
إن هذه الأبيات تشير إلى معرفة العرب لديانة ترى أن من خشية الله الصبَر على الظلم، ومقابلة الإساءة بالإحسان، وماتلك الديانة إلى المسيحيّة، ويؤكد ذلك قول جابر بن حُنَيّ التغلبي(1):
وَقَدْ زَعَمَتْ بَهْرَاءُ أنَّ رِمَاحَنَا ... رِمَاحُ نَصَارى لا تَخُوضُ إلى الدَّمِ
ويبدو أن قوم جابر كانوا نصارى، ولكن رماحهم كانت تخوض إلى الدماء، وكذلك كان حال رماح الغساسنة، وغيرهم من العرب المسيحيين، ولكن ذلك لا ينفي وجود نصارى التزموا بدعوة عقيدتهم إلى السلام: ووجود تأثر بذلك من غير النصارى.
وكذلك أسهم الانتماء الديني في توجيه سلوك الجاهليين نحو إقامة العدل، ومحاربة الظلام، فعدي بن زيد العباديّ يدعو إلى العدل بقوله:(وبالعدل فانطق إن نَطَقْتَ)(2)، وإلى التوبة عن الخطايا في قوله(3):
رَحِمَ الله مَنْ بكى لِلْخَطايا ... كلُّ باكٍ فَذَنْبُهُ مَغْفُورُ
إن دعوة عديّ، وهو مسيحي، إلى العدل وإلى السلوك القويم تلتقي مع ما دعا إليه بعض الشعراء غير النصارى، فالنابغة مدح النعمان بن المنذر بالعدل والوفاء(4):
أَبَى اللّهُ إلاّ عَدْلَهُ وَوَفَاءَهُ ... فلا النُّكْرُ مَعْروفٌ، ولا العُرْفُ ضائعُ.
وبمثل ذلك مدح الغساسنة(5):
مَخَافَتُهُمْ ذاتَ الإلهِ وِدَينُهُمْ ... قويمٌ، فما يَرْجُونَ غير العواقِبِ
(1) شرح اختيارات المفضل 2/953 وفيه 2/954: (يقول: ادّعَتْ علينا هذه القبيلة أنّا لا نرى القتل، فرماحنا كرماح النصارى، لا نغمسها في الدماء، وإنما قال هذا لأنّ من دين النصارى الصبر على الظلم، رغبة في الأجر المكتسب به).
(2) ديوان عدي ص 107
(3) المصدر السابق ص 86
(4) ديوان النابغة ص 53
(5) المصدر السابق ص56