إنَّ إناخة حمير بالجمار لدليل على تعظيم كثير من أهالي اليمن لكعبة مكة، ولو كان التنافس بين الكعبتين قبلياً أو وطنياً لحجّت حمير إلى نجران فهي وأهلها أقرب إلى حمير وطناً ونسباً(1)ولكن تحدّي نجران لمكة لم يعق سلوك السلام في الجزيرة العربية، فالتنافس بينهما لم يكن تناحرياً حربياً بل دينياً وسياسياً مسالماً، ومتسامحاً، ولقد أشير سابقاً إلى التسامح الديني بين المسيحيين والمشركين، وإلى اتفاقهما حول الإيمان بالله سبحانه وتعالى، ويضاف إلى ذلك هاهنا اشتراكهم بإشاعة السلام في الجزيرة العربية بطرق مختلفة؛ فالمشركون لهم أشهر حرم، وأماكن حرم، والمسيحيون لهم عقيدة تنص على التسامح، وعلى إشاعة السلام والعدل، أما التسامح فقد مضى الحديث عنه، ولكني أستحسن مع ذلك الإشارة إلى قول عدي بن زيد العبادي(2):
وما بدأتُ خليلاً لي أخا ثِقَةٍ ... بِرِيبَةٍ، لا وربِّ الحِلِّ والحَرَمِ
فَقَسَمُ عدي، وهو نصرانيّ، بربّ الحلّ والحرم يدل على تعظيمه لمن ارتضى الالتزام بنظام الأشهر الحرم، والأماكن الحرم، وأرى أن تعظيم عديّ -هاهنا- له دافع ديني مسيحي يلتقي مع المشركين والأحناف في الإيمان بالله، وفي العمل من أجل السلام، فكيف عمل العرب المسيحيون من أجل إشاعة السلام بين الجاهليين؟
إن أخبار الجاهيلة لا تدل على وجه حركة مسيحية منظّمة تدعو إلى إشاعة السلام، ولكن العقيدة المسيحية نفسها تدعو إلى السلام، وتنفّر من الحرب، وهي من العقائد المعروفة في الأرض العربية، وكان لها أثر في تفكير الناس وسلوكهم، ومما يدلّ على معرفة كثير من الجاهليين لذلك قول قُريط بن أنيف(3):
لكنَّ قَوْمي وإنْ كانوا ذّوي عَدَدٍ ... لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ في شَيْءٍ وإنْ هانا
(1) وفد بعض العرب الشماليين إلى كعبة نجران ومنهم الأعشى، فقد ذكرها في شعره، ومدح أصحابها، انظر شرح ديوان الأعشى ص 69-70
(2) ديوان عدي ص 171.
(3) شرح ديوان الحماسة 1/30-31