تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك انتهكت حرمة مكة، فقد وثب بنو تميم على البيت الحرام (قبل الإسلام بمائة وخمسين سنة، فاستلبوه، وأجمعت العرب عليها لما انتهكتْ مالم ينتهكه أحد قطّ، فأجلتها عن أرض تهامة)(1)وهذا الخبر يدلّ على أن العرب بعامة كانوا يعظمون الكعبة، وأنهم قاوموا الاعتداء على حرمتها، وكذلك قاوموا محاولات صرف الحج عنها إلى مقدسات مستحدثة، فقد اتفق بنو بغيض من غطفان على أن يتخذوا (حَرَما مثل حرم مكّة، لا يُقتل صيده، ولا يُعضّد شجره، ولا يهاج عائذه)(2)وحين أقاموا حرمهم، وبنوا حائطهم، علم بذلك زهير بن جناب الكلبي، فقال، واللّه لا يكون ذلك أبداً وأنا حيّ، ولا أُخلي غطفان تتخذ حرماً أبداً، ثم جمع قومه وأخبرهم بأن أكرم مأثرة يعتقدها هو وقومه أن يمنعوا غطفان من ذلك وأن يحولوا بينهم وبينه، فأجابوه إلى طلبه فغزا غطفان وخرب حرمهم(3).

إن وصف زهير لما سيفعله بحرم غطفان بأنه مأثرة عظيمة يدل على اعتقاده بأنّ فعله سيلقى تقديراً، وقبولاً حسناً من العرب بعامة، لأنهم يعظمون مكة ولا يرضون منافساً لها يضعف عقيدتهم، ويهدد وحدتهم الدينية.

وهكذا نجد أن المنتمين إلى الشرك والحنيفية قد سلكوا بسبب الانتماء الديني لكلّ منهم سلوكاً مسالماً في أشهر معلومة، وفي أماكن محددة، أبرزها حرم الكعبة، وقد جوبه سلوكهم السلمي بعوائق قوبلت بالتنديد تارة، وبالقوة تارة أخرى.

(1) الأغاني 9/371، وفي عصر البعثة وقبل فتح مكة انتهك بعض المشركين حرمة مكّة، انظر بعض الأشعار الدالة على ذلك في سيرة ابن هشام 2/41-42، وديوان حسان ص 358-359، ومنها افتخار سراقة الأكبر بن مرداس الدوسي بقوله: بأنّا (تَقحَّمنا المشاعر مُعْلِمينا).

(2) الأغاني 19/19 وانظر معجم البلدان: (بُسّ) وأهم من ذلك مقاومة بعض العرب لمحاولة أبرهة الحبشي هدم الكعبة، وسنعرض لذلك لاحقاً.

(3) انظر الأغاني 19/20-22 وفيه شعر لزهير بن جناب في تعطيل حرم غطفان.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٢٢