إنّ الذين عظّموا الكعبة، وحجُّوا إليها في الجاهلية هم مشركون وأحناف التزموا بسلوك ديني أسهم في تطور الجاهليين بالسلام في الأشهر الحرم، وفي حرم مكة، ولكنّ التزام المشركين بذلك السلام لم يكن مطلقاً، فقد وقعت حوادث انتهكت فيها الحرمات،ومن أبرز الأدلة على ذلك حروب الفجار(1)، وقد سُمّيت بذلك (لأنها كانت في الأشهر الحرم، وهي الشهور التي يحرّمونها، ففجروا فيها)(2)، ومن الأحداث الدالة على انتهاك الأشهر الحرم أيضاً قتل قيس بن زهير العبسي لابن الخمس التغلبي في الأشهر الحرم بعكاظ (5) ويُفهم من شعر للمهلهل أن أخاه كليباً قتل، وهو محرم، يقول مهلهل في رثاء كليب(3):
فَقَدْ تَرَوَّوْا مِنْ دَمٍ مُحْرمٍ ... وانتهكُوا حُرْمَتَهُ مِنْ عُقُوقْ
إن انتهاك حرمة الأشهر الحرم من بعض المعظّمين لها يعوق السلام، ولكن فئة من الجاهليين كانت أكثر تعويقاً لأنها تحلّ تلك الأشهر، بيد أن اقتصارها على قبيلتين هما: طيء وخثعم(4) قّلل خطورتها على نظام الأشهر الحرم، وقلّل خطورة منتهكي حرمة تلك الأشهر أيضاًن وجود فئة من العرب وقفت أفرادها (على الدفاع عن الناس وحماية أموالهم وأرزاقهم في مواسم الحج، وقد دُعُوا بالذّادة المُحّرِّمين)(5).
(1) انظر أخبارها، وبعض الأشعار التي قيلت فيها في الأغاني 22/58-78
(2) العقد الفربد 5/252- 253
(3) جمهرة أشعار العرب ص 221، وثمة شعر مشابه لأبي خراش الهذلي (انظر معجم ما استعجم 2/531)، وآخر لحذيفة بن أنس الهذلي (انظرشرح أشعار الهذليين 2/554-555).
(4) انظر المحبر ص 319، وقد هجا الأعشى (شرح ديوانه ص 135) رحلاً من قضاعة بأنه ليس من بني الشهر الحرام؟
(5) انظرالوثنية في الأدب الجاهلي ص 282