ويبدو أن من واجب سدنة البيت وولاة الأمر في مكة أن يمنعوا وقوع المظالم فيها، وفي الحرم كلّه، فمنع الظلم واجب ديني على قريش ولاة البيت، وكان هذا واجب علىبني خزاعة قبلهم، وقد افتخر عمرو بن الحارث الخزاعي بأن قومه ولو أمر البيت بعد جرهم ليمنعوه من كلّ ظالم، وليحافظوا على طهارته خوفاً من غضب الله وعقابه، يقول عمرو(1):
نحن ولينا البيت من بعد جُرْهُمِ ... لِنَمْنَعَهُ من كلِّ باغٍ وآثِمِ
ونقبلَ ما يُهْدَى له، ولا نَمَسَّه ... نخافُ عِقابَ اللهِ عندَ المحَارمِ
وحرم مكّة لم يكن دار أمان للإنسان فحسب بل للحيوان غير المستأنس أيضاً، فقد عرفت في قريش أسطورة تدل على تعظيم حرمة الحيوان في الحرم، وعلى شدة الانتقام ممن يصطاد فيه(2)؟
وكان تعظيم الجاهليين لحرم مكة قابلاً للانتقال خارج نطاق الحرم، فقد كان (الرجل في الجاهلية يأخذ لحاء شجر الحرم، فيجعل منه قلادة في عنقه ويديه، فيأمن بذلك(3)) وكان بعض الراجعين من الحج يعرضون عن أذى غيرهم، فقد ذُكر أن عميرة بن اليربوعي رأى ناساً يرعون السِّدْر، فتحَرَّف عنه مخافة أن يأخذوه، فناداه بعضهم: (إنما نحن صُدّارُ البيت فلا تخف)(4).
وهكذا نجد أن الزمان والمكان ينقسمان عند الذين يعظمون الكعبة، ويحجون إليها، إلى حل، وحرم(5)، وقد أسهم التقيّد بحرمة الزمان (الأشهر الحرم) وبحرمة المكان (حَرَمَ مكة) في الحدّ من حروب الجاهلية، في إحلال السلام في ربوع الجزيرة العربية.
(1) معجم الشعراء ص 57.
(2) انظر ديوان حسان ص 291-292، ونُسب إلى عبد شمس بن عبد مناف شعر في ذلك .
(3) شرح أشعار الهذليين 2/555
(4) النقائض 2/783
(5) ثمة أشعار تدل على تعظيم هذه القسمة فكان بعض الشعراء يقسم بهم كقول مهلهل: كذبوا والحرام والحلّ (العقد الفريد 5/217)، وكان بعضهم يقسم بربّهما كقول مهلهل أيضاً: كذبوا وربِّ الحلِّ والإحرام (العقد الفريد 5/220).