تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويؤكد الالتزام بالسلام داخل الحرم أن رجلين من لحيان كانا يسكنان الحرم، ولا يخرجان منه، فأحسّ أحدهما تنكُّراً من جيرانه بني ليث بن بكر، فقال لأخيه جنيدبٍ: (اخرج بنا من وسط بني بكر، فإنّي واللّه رأيت شأن القوم يريدون بنا غدرا، فقال جنيدب: واللّه ماعلينامن بأس، وإنا لفي الحرم، وما أنا بخارج منه.... وقعد جُنيدب جاراً لدار من بني ليث... ثم إن غيثاً وقع المغّمس، وراء الحرم بأميال، فقالوا لجنيدب: اخرج معنا إلى هذا الغيث، فقال: واللّه إنّي لأكره أن أخرج من الحرم... فقالوا: أمعنا تخاف؟... فخرج معهم، حتى دخل المغمّس، فأغاروا عليه فقتلوه، وأخذوا ماله)(1).

والنظر في الخبرين السابقين يظهر الالتزام بالسلام داخل الحرم، وهذا الالتزام نابع من انتماء ديني يقرّ بقداسة الكعبة والحرم المحيط بها(2)، ولم يكن القتل وحده مستنكراً في الحرم بل استنكر الظلم فيه أيضاً، يقول قيس بن شيبة السُّلمي، وقد ظُلِمَ في مكّة(3):

يالقُصَيٍّ كيف هذا في الحَرَمْ؟

فسارع بعض القرشيين إلىنصرة السُّلمي، وكان ذلك من أساب قيام حلف الفضول.

(1) شرح اشعار الهذليين 2/777

(2) قال النعمان بن المنذر يذكر فضل العرب (العقد الفريد 2/7): (وأما دينها وشريعتها، فإنّهم متمسكون به حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهراً حُرُماً، وبلداً محرماً، وبيتاً محجوجاً ينسُكون فيه مناسكهم، ويذبحون فيه ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه،وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك رغبته منه، فيحجزُه كرمه، ويمنعه دينُه عن تناوله بالأذى).

(3) الأغاني 17/ 288، وبنو قصي: بطن كبير في قريش. ولمزيد من ذكر الحرم في الشعر انظر ديوان حسان ص139، وديوان طرفة ص111، وديوان عدي ص 171، وشرح ديوان الأعشى ص 349، وشرح أشعار الهذليين 1/79 وعرفت في الجاهلية أحرام أخرى أقل أهمية من حرم مكة، انظر الأصنام ص 19، 60 ومعجم البلدان: (بُسّ وسقام) والأصمعيات ص 92.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥١٩