وكانت رغب بعض العرب الملتزمين بحرمة الأشهر الحرم في التعجيل بالغزو، والإغارة على الأعداء، سبباً في ابتداع النَّسِيء، وبه حَرّموا شهراًحلالاً (صفر)، وأحَلّوا شهراً حراماً (المحرّم)، وأول من نَسَأ الشهور، القَلَمَّس الكناني، وله في ذلك شعر(1)، وقد بقي النَّسِئ في بني كنانة، وافتحرو به، كقول عمير بن قيس بن جذل الطّعان الكناني(2):
أَلَسْنا النَّاسئينَ على مَعَدٍّ ... شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَراماً
إن الإقرار بحرمة الأشهر الحرم هو التزام ديني أسهم في نشر الأمن والنظام بين الجاهليين في أوقات معلومة من كلّ عام، ويضاف إلى ذلك وجود واحة سلام دائم تحوط الكعبة، ومكّة، وتُسَمَّى الحَرَم، من دخله فهو آمن، ففي اليوم الأول من الفجار الثاني أدركت هوازن قريشاً وقد دخلوا الحرم، فأمسكوا عنهم، (ونادوهم، يامعشر قريش، إنها نعاهد اللّه أن لا نبطل دم عُروة الرحّال أبداً، ونقتل به عظيماً منكم)(3)، وفي ذلك يقول خداش بن زهير العامري(4):
يا شِدَّةً، ما شَدَدْنا غَيْرَ كاذبةٍ ... على سَخِينةَ لولا البيتُ والحَرمُ
(1) معجم الشعراء ص 82
(2) المصدر السابق ص 72، وانظر مثل ذلك في شرح أشعار الهذليين 2/856.
(3) العقد الفريد 5/255.
(4) أشعار العامريين والجاهليين ص 44، وسخينة: قريش.