تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالمشروكون ينقسمون إلى ثلاث فرق دينية كبيرة لم تتصارع دينياً، وكانت كلّ فرقة تضم قبائل شتّى بعضها من عرب الشمال، وبعضها الآخرمن عرب الجنوب، وفي ذلك، دليل قوي على أن الانتماء الديني الجاهلي زاحم الانتماء النسبي بل غدا الدين نسباً عند أشتات من الناس، سُمّوا بالعباد(1).

لقد أثمرالتعايش بين المنتمين إلى الديانات الجاهلية المختلفة، والفرق الدينية الجاهلية تحت ظلال التسامح الديني تقارباً فكرياً ومعاشياً تطورت به حياتهم تطوراً تجاوزوا به الحدود النّسبية، وانطلقوا به نحوبناء صرح الأمة الأشمل، إنّ تتبع التقارب الفكري والمعاشي الناتج عن تسامح الجاهليين الديني جدير بدراسة خاصة تفيه حقّه، وتفي الجاهليين حقّهم، وتمنح أحفادهم رؤية جديدة لتراثهم الإنساني، ولكن ذلك لا يعفي -هاهنا- من النظر في ذلك التقارب.

إن المظهر الرئيس للتقارب الفكري بين المنتمين إلى الأديان الجاهلية المختلفة هو الإيمان باللّه الواحد، ربّ الكون، وخالقه، فاللّه هو الواحد الباقي في قول يزيد بن خذّاق الشَّنِّيّ يرثي نفسه(2):

(1) من المشهور أن جماعات من أنساب شتى اجتمعت على النصرانية في الحيرة، وتسمّوا بالعباد، وغدا اسمهم الجديد كالنسب، يعرفون به، وكثرت الإشارة إليهم بذلك في الشعر الجاهلي (انظر ديوان الحارث ص48، وديوان سلامة ص 145، وديوان عدي ص 114، وشرح ديوان الأعشى ص 340، وشرح ديوان لبيد ص 216، 257،وشعر النمر ص 80) ويبدو أن صلة العباد بأنسابهم الصريحة كانت واهية ومما يدل على ذلك أن عدي بن زيد العبادي، وأصله من تميم، لم يفخر بنسبه الصريح، ولم يطلب حين سجنه النعمان، النصرة من أقاربه عدا أخاه (انظر ديوانه ص 151،164) وابنه (انظر ديوانه ص 34) واستعطف النعمان بقوله: مالي ناصر إلا نساء (ديوانه ص40) ووكّل أمره إلى ربّه (انظر ديوانه ص 41).

(2) شرح اختيارات المفضل 3/1291، وانظر مثل ذلك في ديوان عدي ص 134، 150.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥١٤