وقد يدفع تعظيم بعض المشركين صراحة للمقدسات المسيحية إلى القول بدخلوهم فيها، وأرى أن مافعلوه كان انعكاساً فنياً لشيوع التسامح الديني، والتواصل بين المنتمين إلى الأديان الجاهلية، ولاسيما التواصل بين المشركين والمسيحيينن ولعل في قول عدي بن زيد العبادي(1):
سَعَى الأعداءُ لا يَأْلونَ شرّاً ... عليَّ ورَبِّ مَكْةَ والْصليبِ
مايؤكد ذلك؛ فالمسيحيّون بلسان عديّ يقابلون التسامح بآخر مثله، وتعظيم المقدسات بتعظيم مشابه:
إن تعايش المنتمين إلى الديانات الجاهلية بعيداً عن التعصب يمثل الدائرة الأوسع للتسامح الديني بين الجاهليين، وهذه الدائرة تشمل داوائر أصغر منها تمثل التسامح بين أتباع كلّ ديانة من الديانات الجاهلية، وإذا كنا نفتقد مايدل صراحة على الصراع المذهبي بين أتباع كلَّ دين جاهلي فذلك نفي لوجود ذلك الصراع، ويقوى هذا الدليل بأخبار تدل على التسامح المذهبي، فقد كتب المنذر بن الحارث الغساني إلى قيصر الروم من أجل إطلاق الحرية لجميع النصارى، وأن يصلي كلّ واحد منهم أينما شاء، وحيثما شاء(2).
وبعد شيوع الإسلام في أثناء الحج إلى الكعبة بين المتعبدّين للأصنام المختلفة، والملبين بتللبيات مختلفة دليلاً على التسامح بين المشركين(3)، ويؤكد هذا التسامح أن انقسام المشركين إلى ثلاث فرق دينية كبرى لم يسبب صراعات دينية فيما بينهم، وثلاث الفرق المذكورة هي: الحُمْس، والحُلّة،والطلس.
(1) ديوان عدي ص38، وقد أقسم عدي بربّ الحلّ والحرم (ديوانه ص171)، وبذات الودع (ديوانه ص53) ولذات الودع معانٍ كثيرة لا تخرج عن دائرة تعظيم الكعبة وعبادة الأوثان.
(2) انظر المفصل في تاريخ العرب 6/633
(3) انظر لتلبيات الحجاج المشركين المحير ص311-315، والمفصل في تاريخ العرب 6/375-379.