تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن أظهار تلك الأمور الخاصة بالمسيحيين في الشعر غير مشوبة بالتعصب على المسيحية يدل على تواصل أصحابه مع النصرانية، وعلى قبولهم التعايش مع أهلها، وإن في قول صخر الغيِّ الهذلي يصف سحاباً(1):

كأنَّ تَوَالِيَهُ بالمَلاَ ... نَصَارَى يُسَاقُوْنَ لاقَوْا حَنِيْفَا

ما يؤكد احترام النصارى لغيرهم أيضاً، فصخر يشبّه شكل السحاب بنصارى يسقي بعضهم بعضاً في عيد لهم، فلاقوا (حنيفاً) فاحتفلوا به بالتفكير له، وذلك بالانحناء وطأطأة الرأس(2).

وكذلك كان الحنفاء متسامحين مع المنتمين إلى ديانات أخرى، فلقد بحث الحنفاء عن حقيقة دين إبراهيم، ولكنهم أعرضوا عن امتهان عقائد غيرهم عدا زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، وقد أشيرإلى إيذاء قريش له لأنه عاب آلهتها صراحة، وقد انتهى الأمر ببعض الباحثين عن حقيقة دين إبراهيم إلى ترك الشرك، والدخول في المسيحية على مرآى من قومهم المشركين ومسمعهم(3)، كما انتهى الأمر بباحثين آخرين إلى التقارب مع المسيحية، وإن لم يدخلوا فيها، يقول النابغة الجعدي(4):

ومازلتُ أسْعَى بين بابٍ ودارةٍ ... بنجرانَ حتَّى خِفْتُ أَنْ أَتَنَصَّرا

(1) شرح أشعار الهذليين 1/297، وتواليه: أواخره، والملا: الأرض المستوية.

(2) شرح البيت مقتبس من المصدر السابق 1/297-298

(3) من هؤلاء ورقة بن نوفل، وعثمان بن حويرث، انظر سيرة ابن هشام 1/204-206. وكان ورقة متسامحاً مع غير المسيحيين، فقد أفرحه توحيد زيد بن عمرو بن نفيل الذي أعلن أنه على دين إبراهيم، ورفض الدخول في المسيحية، ولورقة في ذلك شعر(انظر جمهرة نسب قريش 1/418).

(4) شعر النابغة الجعدي ص61، وانظر مثل ذلك في ديوان شعر حاتم ص 255.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٠٧