وقد عاب زيد (هُبلَ) في أبيات تبرأ فيها من الشرك، ودعا إلى الحنيفية، ومنها((1)):
ولا هُبلاً أدين وكان ربّاً ... لنا في الدَّهرِ إذْ حلمي يسيرُ
ويظهر من غربلة الأخبار والأشعار المتصلة بدعوة زيد إلى الحنيفية أن دعوته إلى الوحدانية لم تكن سبباً في اضطهاده بل كان السبب هو العيب الصريح لآلهة قريش (هبل واللات والعزى)، فقريش لم تضطهد ورقة بن نوفل الذي ترك الشرك، ودخل في دين النصرانية، وأيد في شعره اعتقاد زيد، لكنه لم يذكر آلهة قريش بسوء((2))، ولعل إعراض ورقة عن عيب آلهة قريش هو السبب الرئيس لتسامحهم معه((3)).
وهكذا تمايز الجاهليون بانتماءاتهم الدينية، ولكنها لم تسبب إلا نزاعات قليلة لا تكاد تذكر في خضم الحياة الجاهلية المجهدة بالحروب، وإذا كانت تلك النزاعات هي أحد وجهي الجدل الديني في الحياة الجاهلية فإنّ الوجه الآخر كان سلاماً دينياً، واتحادات دينية، وتطوراً دينياً نحو التوحيد، فكيف كان ذلك؟
***
3- التسامح الدينيّ
إن تعدد الديانات في مجتمع ما لا ينفي إمكانية تقارب المنتمين إليها، ما داموا قادرين على التفاعل السلمي الموصل إلى الأفضل. ويبدو من أخبار الجاهلية وأشعارها أن التعصب إلى الانتماء الديني كان بعيداً عن تفكير الجاهلي وسلوكه.
(1) المصدر السابق 1/209.
(2) انظر جمهرة نسب قريش 1/418.
(3) انظر شعر قريش ص54، ويؤكد ذلك أن عبد المطلب بن هاشم، وهو من الحنفاء (انظر الشعراء الحنفاء ص99- 102) كان من سادة قريش، وأن أمية بن أبي الصلت، وهو من الحنفاء أيضاً، كان يفد إلى مكة، ويلقى عند أهلها المشركين تعظيماً وتقديراً، وكان في شعرهما إيمان بالله الواحد لم يكن فيه عيب لآلهة قريش.