وتَبَدَّلُوا اليَعْبوبَ بعد إلهِهِمْ ... صنماً، فَقَرُّوا يا جَديلَ وأعذِبُوا
وأخذ بني أسد لصنم بني جديلة يوحي باحتمال وجود سبب ديني للصراع بين القبيلتين، ولعل ما فعله الأسديون ليس عصبية دينية بل عصبية نسبية أراد أصحابها أن يبالغوا في إذلال أعدائهم فأخذوا معبودهم((1))، وربما كان بنو أسد يرغبون بأخذ الصنم للتعبد له، والاستئثار به دون جديلة، وفي أخبار الجاهلية ما يدل على إمكانية ذلك، فقد كان (يغوث) عند بطنين من مراد، هما أعلى وأنعم، فرغب أشراف مراد بنقل (يغوث) إلى منازلهم، فأبى بنو أعلى وأنعم ذلك، فوقعت الحرب بينهما((2)).
تلك هي حال الجماعات التي احتكمت إلى السيوف لأسباب يتراءى فيها العامل الديني، ولا يكاد يظهر، وأما الأفراد فليس في أخبار الجاهليين قبل ظهور الإسلام ما يشير إلى وجود اضطهاد ديني إلا في حالة واحدة، هي اضطهاد الخطّاب بن نفيل العدويّ لزيد بن عمرو بن نفيل العدوي، فقد عاب زيد دين قومه (قريش)، ودعا إلى اعتزال الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تنحر على أعتاب الأصنام والأوثان، ونهى عن وأد البنات((3))، فاستاءت منه قريش، فأخرجته من مكة وآذته((4))، ووكل الخطّاب بن نفيل بزيد سفهاء قريش ليمنعوه من دخول مكة، كي لا يفسد على قريش دينها، وقد تألم زيد من ذلك، وشكا أمره إلى الله في قوله()(5):
لا همَّ إنّي محرمٌ لا حِلَّهْ ... وإنَّ بيتي أوسطَ المحَلَّهْ
عند الصفا ليس بذي مَضَلَّهْ
(1) أغار عمرو بن حبيب الفهري على بني بكر، وكان لهم سقب (ولد الناقة الذكر) يعبدونه من دون الله، فأخذ ذلك السقب، فأكله (انظر نسب قريش ص448). فأخذ السقب لم يكن معارضة دينية بل إبرازاً للقوة، ورغبة في الكسب الماديّ.
(2) انظر الأصنام ص10، والوثنية في الأدب الجاهلي ص58.
(3) انظر المحبرص 171- 172.
(4) انظر الأغاني 3/117.
(5) سيرة ابن هشام 1/213.