تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الصراعات التي يشتبه باندلاعها لأسباب دينية ما وقع بين الأوس والخزرج من جهة ويهود يثرب من جهة أخرى، فقد استعان الأوس والخزرج بأقاربهم الغساسنة، وأوقعوا مجتمعين باليهود وقعة أذلتهم ومكنت الأوس والخزرج من السيادة على يثرب((1)). وليس في هذا الصراع ما يدل على وجود عصبية دينية بل عصبية نسبية جمعت أقارب مشركين (الأوس والخزرج) ونصارى (الغساسنة) فحاربوا اليهود وحققوا مكاسب سياسية واقتصادية لا دينية، فالمنتصرون لم يبشروا بنصرانيتهم ولا بشركهم والمنهزمون لم تنل الهزيمة من حريتهم الدينية.

إن الصراعات المذكورة آنفاً- وإن كانت بي أصحاب ديانات مختلفة- لم تكن دينية. ولو تتبع باحث أيامَ الجاهليين، وأشعارهم الدينية فسوف يعجز عن الإمساك بدليل قاطع على وجود عصبية دينية أشعلت حرباً أو أثارت بغضاء بين الجماعات القبيلة، وغاية ما يصل إليه إشارات توحب أن التمايز الديني لم يكن غائباً غياباً كلياً عن أذهان المتحاربين في الجاهلية ومن الأدلة على ذلك قول النابغة الذبياني يصف غزو النعمان بن الحارث الغساني لبني أسد في رواية((2)):

مُستشعرينَ قد ألفوا في ديارهم ... دعوى يسوعَ ودعميٍّ وأيوبِ

فإذا صحت رواية البيت فإنها دليل على أن الغساسنة اتخذوا من الانتماء إلى المسيحية شعاراً، يرفعونه في حروبهم، ويعرفون به، وربما كانوا يقاتلون لنشر النصرانية.

وكان لجديلة من طيىء صنم أخذه منهم بنو أسد فاستبدلت به جديلةُ (اليعبوب)، ولبني جديلة يقول عبيد بن الأبرص الأسديّ((3)):

(1) انظر الأغاني 22/115- 120. وفيه أشعار قيلت في ذلك الصراع، وكذلك معجم البلدان: (حُرُض).

(2) ديوان النابغة ص93. ومستشعرين: وصف لبني أسد بأنهم يدعون بشعارهم. والرواية الثانية للبيت هي: ((دُعاءَ سوعٍ ودُعْمِيَ وأيوبِ)) وهم أحياء من الغساسنة.

(3) ديوان عبيد ص3. وأعذبوا: كفّوا.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٠٢