ويبدو أن ما قيل عن سبب إقدام ذي نواس على فعلته لا يناقض رؤية د. البهبيتي لها، فما قيل يصلح أن يكون ذريعة (سبباً مباشراً) لإقدام ذي نواس على تحقيق رغبته في تخليص بلاده من بؤرة للنفوذ الأجنبي في اعتقاده. وبذلك لا يكون الصراع بين اليهودية والمسيحية في اليمن صراعاً دينياً بل صراعاً سياسياً وقومياً ارتدى لبوساً دينياً، ويؤكد ذلك أن الروم والأحباش استنفروا قواهم بعد حادثة الأخدود، فأمدّ قيصر الأحباش بالسفن، فاجتازوا البحر إلى اليمن واحتلوها، وأذلوا أهلها، ورفعوا لواء المسيحية فيها. ثم طمح أبرهة الحبشي إلى أن يصرف العرب عن مكة إلى كنيسة عظيمة بناها في صنعاء، وكان ذلك من أسباب إقدامه على المسير إلى مكة لهدم كعبتها((1))، وكان لقريش أشعار مقاومة لمحاولة أبرهة المخففة، ومنها قول عبد المطلب بن هاشم((2)):
لا هُمَّ إنّ العَبْدَ يمْـ ... ــنَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حلالكْ
لا يغلبنَّ صَليبهُمْ ... ومحَالُهُم غَدْواً محالك
جَرَّوا جُموعَ بلادِهِمْ ... والفيلَ كي يسبوا عيالكْ
إن عبد المطلب يدعو الله إلى دفع المسيحيين الأحباش الذين قدموا من (بلادهم) إلى بلاد عبد المطلب ليذلوا أهلها، ويُدنَسّوا مقّدساتهم، إنه لا يعارض المسيحية بل يعارض احتلال الغرباء لأرضه، ورغبتهم في تدمير الكعبة، قُدس العرب الأول، ومما يدل على أن عبد المطلب لا يعارض المسيحية أن قريشاً، وعبد المطلب منها، لم يضطهد المسيحيين المقيمين في مكة، كما لم تعارض خروج بعض رجالها من الشرك ودخولهم في المسيحية((3)).
(1) انظر تاريخ الطبري 2/124- 139.
(2) المصدر السابق 2/135، ومحالهم: كيدهم. وانظر أشعاراً أخرى في سيرة ابن هشام 1/45- 54.
(3) انظر شعر قريش ص.