لقد غدت المسيحية مثل الشرك ديناً رئيساً لدى الجاهليين، ويؤكد ذلك قول الجاحظ ((كانت النصرانية فاشية في العرب إلا مضر، فلم تغلب عليها يهودية ولا مجوسية، ولم تفش فيها النصرانية، إلا ما كان من قوم منهم نزلوا الحيرة يسمون العباد، فإنهم كانوا نصارى.. ولم تعرف مضر إلا دين العرب (الشرك) ثم الإسلام))((1)). وهكذا يتبين تعدد ديانات الجاهليين، فثمة وثنيون ومشركون، وأتباع ديانات سماوية (حنيفية، ويهودية ومسيحية)، ويضاف إلى ذلك وجود أشتات من العرب دانوا بعقائد أخرى كالمجوسية والصابئة والدهرية((2)).
إن تعدد ديانات الجاهليين يعني تعدد انتماءاتهم الدينية، ويدفع إلى التساؤل عن أهمية هذه الانتماءات في تطور الإنسان الجاهلي نحو الوحدة القومية؛ أعاقت تطور الوحدة أم أسهمت في بنائها؟ وكيف كل ذلك؟
***
2- الفرق والصراعات الدينية:
يكاد توزع ديانات الجاهليين أن يتطابق مع توزعهم النسبي والجغرافي، ومما يدل على ذلك أن أكثر قبائل الشام والعراق دانت بالمسيحية، وأن أكثر سكان الحجاز ونجد دانوا بالشرك. وهذا التوزع قد يوحي بإسهام ديانات الجاهليين في إقامة حدود تفصل بين القبائل، وتعوق تواصلها، ويقوى الإيحاء بذلك حين نعرف تعدد انتماءات المشركين الدينية بتعدد فرقهم وأصنامهم المقدسة، وتعدد انتماءات المسيحيين بتعدد مذاهبهم، وحين نعرف أن من الجاهليين رجالاً أدركوا أهمية الانتماء الديني في رسم الحدود الفاصلة بين الجماعات القبلية، ومنهم حاتم الطائي الذي يقول:((3))
إلههُمُ رَبِّي، وربّي الههُمْ ... فأقسمْتُ لا أَرْسُو، ولا أتمعَددُ
(1) الحياة العربية من الشعر الجاهلي ص143، نقلا عن رسالة الرد على النصارى للجاحظ 15.
(2) انظر لهذه العقائد الشعراء الحنفاء ص50- 63، والمفصل في تاريخ العرب 6/691- 704.
(3) ديوان شعر حاتم ص142. وفيه ص142- 143 ما يدل على أن المراد بقوله: ((لا أرسو ولا أتمعدد)): لا أقلد معدّاً بلهجتها.