وفي مقابل ذلك كان بعض المجارين لا يتورعون عن تقديم مجيريهم على أقوامهم ومن ذلك قول يزيد بن حمَّان السكوني، وكان مجاوراً بني شبيان((1)):
إنّي حَمِدتُ بني شَيْبَانَ إذ خَمَدَتْ ... نشيْرَانُ قَوْمِي، وفيهم شُبَّتِ النارُ
إنه يرفع منزلة مجيريه فوق منزلة قومه؛ فبنو شيبان يوقدون النار للضيوف، ونار قومهم خامدة.ولقد أسهم الجوار وشبهه في تواصل الجماعات، وحدّ من غلواء العصبية القبلية وكان قيمة جاهلية عليا، أقرتّها غالبية أفراد المجتمع، وتواصت باحترامها، والأخذ بها، فغدت رابطة الجوار انتماء يضاف إلى انتماءات الإنسان الجاهلي النسبية والمكانية وغيرها.
والجوار انتماء اختياري مؤقت، ولكن انفصام عراه، ولا سيما حين تطول مدته، لا يعني انقطاع الصلة بين أطرافه؛ فما يحصل لا يمكن إلغاؤه، فالمجير المسيء يجازي بالهجاء والوعيد، والمجير المحسن يكافأ بالمدح والمودة، وإن في قول الطفيل الغنوي: إنني ((بذي لطف الجيران قدماً مُفجعُ))((2)) ما يدلّ على استمرارية التعلق بالانتماء الجواريّ بعد افتراق أطرافه((3)).
***
(1) شرح ديوان الحماسة 1/300. ومن هذا القبيل رثاء عبد الله بن عتمة الضبيّ، وكان في جوار بني شبيان، لبسطام بن قيس الشيباني حين قتله بنو ضبّة. انظر النقائض 1/190- 191.
(2) ديوان الطفيل ص86.
(3) افتخر عمرو بن شأس (شعره ص100- 101) بقومه الذين نصروا جاراً لهم بعد ارتحاله عنهم، فقد نهبت إبله، فعاد إليهم، فركبوا معه، واستعادوا له أكثر إبله، ثم أوصلوه إلى مأمنه.