تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما المجير فكان إحسانه إلى المجار الغريب دليلاً مادّياً على تطور انتمائه النسبي بالانفتاح على الآخرين، فالمجير يرتضي أن ينصر ويرعى غير أقربائه، ويهتم باكتساب الحمد والثناء من الأباعد لإحسائه إلى أناس غرباء عن نسبه((1))، فاكتسب الجوار بذلك بعداً إنسانياً، وأضحى قيمة عليا تشمل النسب ولا تلغيه، فأخضع كثير من الجاهليين النسب للجوار إذ أبوا أن يظلم أقوامُهم جيرانهم، فدلّوا بذلك على تهذيب الجوار للانتماء النسبي، ومن الأخبار والأشعار الدالة على ذلك أن بني لحيان الهذليين قتلوا رجلاً خزاعياً وامرأته، وكانا في جوار أبي جندب الهذليّ، فقدم مكة، وأنشد فيها((2)):

إنّي امرؤٌ أبكي على جاريهْ ... أبكي على الكعبي والكعبيهْ

ولو هلكتْ بُكَيَا عليَّهْ ... كَانَا مكانَ الثَّوبِ من حَقْويَّهْ

ثم جمع بعض الخلعاء، وأغار على بني لحيان فقتل فيهم قتلى، وسبى نساءً، وله في ذلك أشعار((3)).

(1) كان بعض الجاهليين يرون في إجارتهم للآخرين وسيلة لتأكيد سيادتهم وهيبتهم لاغير، ولعل ذلك هو السبب في إجارة بعضهم للجراد إذا نزل في جواره (انظر العقد الفريد 1/135). وأجار مالك بن حريم الهمداني شجاعاً. انظر معجم البلدان (أُجيرة)، وأجار رجل من عرينة من قَسْرٍ حدأةً، وكان قتلها سبباً في اقتتال بني قسر، وإخراج بني عرينة عن ديارهم (انظر معجم ما استعجم 1/60).

(2) شرح أشعار الهذليين 1/349.

(3) انظر المصدر السابق 1/351- 356. ولسبب مشابه قتل أبو جندب ابن اخته (انظر المصدر السابق 1/357- 360). ولمزيد من الأخبار والأشعار الدالة على تقديم الجوار على النسب منعاً لظلم المجار انظر ديوان حسان ص85، وديوان العباس ص44- 45، وشرح ديوان لبيد ص220- 223 ومعجم الشعراء ص301- 303، والأغاني 13/225، وشرح أشعار الهذليين 2/631، والعصبية القبلية ص88.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤٨٤