تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجوار - إذاً- لا يلغي الانتماء النسبي بل يضاف إليه، وفي الإحسان إلى الجوار يتطور الانتماء النسبي عند المجير والمجار معاً؛ فالمجار يلقى الرعاية والنصرة من قوم بعداء عنه نسباً فيلمس، ويدرك إمكانية تواصل الجماعات النسبية المتباعدة، وضرورة تعايشها من أجل مجابهة عوائق الحياة الامنة المتطورة، فكان المجاور حين يحسنُ إليه بشعر بقربه من مجيريه، فيمدحهم، ويفخر بهم، ويدافع عنهم كأنه واحد منهم، كقول زهير بن أبي سلمى المزني، وكان نازلاً عند أخواله، فبلغه أن سُليم تريد الإغارة عليهم((1)):

رأيتُ بني آلِ امرىء القيس أصْفَقُوا ... علينا، وقالوا: إنّنا نحنُ أَكْثَرُ

إن زهيراً في قوله (علينا) يدخل نفسه في جملة الناس الذين يدافع عنهم، وهم أخواله، ومجيروه، فعبر بذلك عن عمق ارتباطه بهم، وشعوره بالانتماء إليهم.

وكان الجوار سبباً في المصاهرة، فقد جاور عبد الله بن عتمة الضَّبيّ في بني شيبان وتزوج منهم((2)). وقد تكون المصاهرة سبباً في الجوار أيضاً((3)). ويبدو من كثرة الأخبار والأشعار عن مجاورة الأولاد لأخوالهم أن المصاهرة بين المتجاورين كانت ظاهرة شائعة، وأن الجوار قد أسهم- إذ تسبب في المصاهرة- في تقارب الجاهليين وتوادهم.

(1) شعر زهير ص155. وآل امرىء القيس: هوازن وسليم. وأصفقوا: اجتمعوا.

(2) انظر شعر اختيارات المفضل 3/1540. وانظر مثل ذلك في العقد الفريد 6/85، والنقائض 2/785.

(3) كان بنو شبيان أخوالاً لعبد الله بن عتمة قبل أن يجاورهم، ويزوجوه. انظر النقائض 1/190- 191. ومن المعروف أن المتلمس الضبعي وزهير بن أبي سلمى وابنه كعبا قد عاشوا في جوار أخوالهم ولمزيد من الأشعار عن الإقامة في جوار الأخوال انظر شرح ديوان الحماسة 2/520- 521، ومعجم الشعراء ص434، والنقائض 1/58، 190- 191، وشعر النمر ص125- 126.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤٨٣