تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنها دعوة صريحة إلى تقديم الانتماء النسبي على الجوار؛ فمقتل تلك الجارة الغربية في رأي قيس لا يوجب الثأر لها من الأقارب.

وفي مقابل ذلك كانت صلة المجاور بأهله لا تنقطع، فهو يشتاق إليهم، ويتوق إلى لقائهم((1))، ويتسقط أخبارهم، فيفرح لانتصاراتهم، ويتغنى بها((2))، ويتألم إن أصابهم مكروه((3)).وكان الأهل يتتبعون أخبار المجاور منهم في غيرهم، فيغضبون له إن قصر مجيروه في نصرته((4)). فالصلة بين المجاور وأهله سياج يسهم في حمايته، وفي ردع من يفكر بظلمه، وهي حصن يلوذ به المجارحين يتطاول عليه المجيرون؛ فحين فخر مزرد بن ضرار الذبياني بأنّ قومه أحلّوا كعب بن زهير في ديارهم((5)) غضب كعب، وانتسب إلى قومه، قائلاً((6)):

هُمُ الأصْلُ مني حيثُ كنتُ وإنني ... مِنْ المُزَنِّيين المُصَفِّينَ بالكَرَمْ

وكان بعض المجاورين لذلك لا يرتضون التبعية لمجيرهم، فزهير بن أبي سلمى يفخر بأن نزوله في بني سهم الذبيانيين لا يجعله تابعاً لهم((7)) بل يرى أنه ندّ للذبيانيين إذ يقول((8)):

لذي الفَضْلِ مِن ذُبيانَ عِندي مَوَدَّةٌ ... وَحِفْظٌ، ومَنْ يُلْحمْ إلى الشَّرِّ أنْسُجِ

(1) انظر ديوان الحطيئة ص11، وقصائد جاهلية نادرة ص220. وكان المجاور يتذكر أهله حين يظلم، ويتشوق إلى نصرتهم له. انظر الأغاني 13/14، والعقد الفريد 5/221- 222.

(2) كان مُحرز بن المكَعْبر الضَّبيّ مجاوراً في بني بكر بن وائل، فبلغه خبر انتصار قومه على مذحج يوم كلاب الثاني، فتغنى بذلك. انظر العقد الفريد 5/232- 233.

(3) انظر النقائض 1/88- 89.

(4) انظر ديوان العباس ص100.

(5) انظر شرح ديوان كعب ص61.

(6) المصدر السابق ص67. وانظر مثل ذلك في ديوان شعر المتلمس ص159.

(7) انظر شعر زهير ص273.

(8) المصدر السابق ص216. ومن يُلحم: من اللحمة، وهي ما نُسجَ عرضاً. يريد من هجاني هجوته.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤٨٢