إنّ وصف جعفر لقومه يسيئون الجوار، وقول الحطيئة ((لا يكاد أخو جوار يحمد)) يظهر أن شيوع الإساءة إلى الجوار في أواخر العصر الجاهلي، ويوحيان بتطامن تلك القيمة آنذاك. فإذا عرفنا أن كثيراً من حوادث الإساءة إلى الجوار ترجع إلى طمع المجيرين في اغتصاب أموال المجارين((1)) فمن الممكن القول بأن ما شهدته الجزيرة العربية من تطور اقتصاديّ تسبب في بروز القيمة الماديّة ومزاحمتها لقيم حياة الحلّ والترحال، ومنها قيمة حسن الجوار، وهي من مكارم الأخلاق الجاهلية التي تتطلب ما يحضّ الناس عليها، ويلزمهم التَّمَسك بها.
ولكن التطور الاقتصادي ليس سبباً وحيداً لضعف قيمة حسن الجوار؛ فالعصبية إلى الانتماء النسبي كانت عائقاً يحول دون إقرار بعض الجاهليين بوجوب الإحسان إلى الحوار، فالذين اغتصبوا أموال جيرانهم كانوا يقدّمون أنفسهم وأقاربهم على جيرانهم؛ والذين حضّوا على قبول دفع الدية لأهل المجارحين يقتله أقارب المجير، وأنكروا الثأر له، كانوا بذلك يقدمون العصبية للانتماء النسبي على الجوار، ومما يدل على ذلك صراحة أن امرأة من أفصى كانت في جوار سلمى بن المُقْعَد الهذلي، فقتلها بعض أقاربه، ثم حضّوه على أخذ العقل لأهلها، وعلى ألا يثأر لها، وله يقول قيس بن عيزارة الهذليّ((2)):
بني كَاِهلٍ، لا تُنْغِلنَّ أَدِيمَهَا ... ودَعْ عَنْكَ أفْصَى لَيْسَ مِنْكَ أديمُهَا
(1) انظر بعض الأخبار والأشعار الدالة على ذلك في ديوان أوس ص112، وشرح اختيارات المفضل 1/197، و3/1506- 1509 وشرح أشعار الهذليين 1/385، 362- 365، والمعاني الكبير 1/403- 404.
(2) شرح أشعار الهذليين 2/605 وبنو كاهل من هذيل. وبعض المتعصبين للنسب لا ينكرون الثأر من الأقارب للجار الغريب فقط بل ينكرون أيضاً دفع العقل لأهله أيضاً. انظر شرح أشعار الهذليين 1/260- 279.