وثمة مصلحة آجلة تتحقق للمجير، فهو لا يضمن استمرار الحال التي هو عليها، فقد يحتاج إلى من يجيره، وقد يغدو مجاوراً من استجار به سابقاً، ومن الأخبار الدالة على إدراك الجاهليين لذلك أن بني فهم وبني صاهلة كانوا أعداء، فأجدبت بلادفهم، وخشوا على أنفسهم الهلاك، فجاءوا بني صاهلة، وقالوا لهم: أرعونا في بلادكم، وآمنونا حتى يقع بأرضنا غيث، فإن الأيام عُقبٌ، ولعلكم أن تبتغوا إلينا مثل ذلك يوماً من الدهر، وبعد حوار قيل لبني فهم: يا معاشر فهم، قد أجرناكم، فارعوا في أرضنا حيث شئتم((1)).
وهكذا نجد أن في الحوار الحسن مصالح لكلّ طرف فيه، وأن في تحققها ترتقي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للإنسان الجاهلي.
***
جـ- بين الجوار والنسب: إن العلاقة الحسنة بين المنتمين إلى رابطة جوارية دليل على تطور الانتماء النسبي عندهم. ولكن الإساءة إلى الجوار كانت وجهاً آخر للعلاقة بين المتجاورين؛ فقد وصف جعفر بن أبي طالب قومه في حضرة النجاشي، فقال: ((أيها الملك، كنّا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف))((2))، ومدح الحطيئة جوار قوم، فقال((3)):
جَاوَرْتُ آل مُقلدٍ فَحَمْدتُهُمْ ... إذْ لا يكادُ أخو جوارٍ يُحْمَدُ
(1) انظر شرح أشعار الهذليين 2/856- 857,. وتمنّى حاتم الطائي (ديوان شعره ص192) أن يرى الناسُ كلهم البخيل ((كما يراهم فلا يقرى إذا نزلا)).
(2) سيرة ابن هشام 1/290.
(3) ديوان الحطيئة ص190. وقد اشتكى أبو الطمحان القيني من كثرة غدر الجيران به (انظر قصائد جاهلية نادرة ص219). ونفى بعض الشعراء عن أنفسهم الإعراض عن الضيوف، وفي ذلك إشارة إلى أن بعض الجاهليين كانوا لا يكرمون الضيوف، ولا يرضون استضافتهم، انظر ديوان شعر حاتم ص213 وشرح ديوان الأعشى ص170، والأصمعيات ص64.