إن المصلحة الأولى التي تتحقق للمجير حين يُحسن الجوار أنه ينال الحمد والثناء والرفعة، ويشعر بالفخر والاعتزاز لأنه أدى عملاً أرضى به المجتمع، وأكد به قوته المهيبة، وخلقه القويم، وتفضّله على غيره بالنصرة والرعاية((1)). وأمّا المصلحة الثانية التي تتحقق للمجير فهي تكثير قومه بأناس يوالونهم، وقد يدافعون عنهم بسيوفهم وألسنتهم؛ فحين أغار بنو عجل على بني منقر التميميين قاتل زيد الخيل الطائي مع جيرانه بني منقر، وأبلى بلاءً حسناً، حتى هزمت عجل((2))، ولطالما مدح زهير بن سلمى المزني أخواله الذبيانيين، وكان مجاوراً فيهم، ولطالما دافع عنهم بشعره، وفي ذلك يقول كعب يفخر بوالده زهير((3)):
وكان يُحَامِي حينَ تَنْزِلُ لَزْبةٌ ... مِنَ الدَّهرِ في ذُبيانَ إنْ حَوْضُها انْهُدَمْ
(1) إن وفاء المجير مرّة لا يكفي للافتخار بحسن الجوار في رأي الأعشى، بل لابدّ من يكون وفاءه صفة لازمة فيه، يتتابع حدوثها. انظر شرح ديوان الأعشى ص47. وقد كثر افتخار الجاهليين بإكرام الضيف. انظر بعض ذلك في ديوان حسان ص146، وديوان السموءل ص10، وديوان شعر حاتم ص249، وديوان الطفيل ص70- 71، وشرح ديوان الأعشى ص119، وعيون الأخبار 1/342. وإكرام الضيف يجلب الحمد والثناء؛ فعمرو بن الأهتم يرى أن الكريم يتقي الذم بالقرى، ,وأن القرى حق يؤديه الصالحون (انظر شرح ديوان الحماسة 4/1652)، ووصفت الخنساء (ديوانها ص89) أخاها بأنه يجمع الضيوف إلى بيته و ((يرى أفضل الكسب أن يحمدا)) لذلك.
(2) انظر ديوان زيد الخيل ص99، والأغاني 17/270.
(3) شرح ديوان كعب ص65. ولزبة: شدّة.