إن المجير، ومثله المضيف، يندفع إلى تقديم العون والنصرة التزاماً بعقد اجتماعي أقرّه المجتمع الجاهلي نتيجة لظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية قاسية عاشها الإنسان الجاهلي؛ فالفقر والجدب يدفعان إلى الجوار، فإذا عرفنا شيوع تلك الدوافع وأشباهها في المجتمع الجاهلي فسوف نستنتج أن ظاهرة الجوار كانت قيمة عليا رئيسة((1)) تحدّ من خطورة عوائق الأمن والتوحد والسلام، ونتفهّم تبجيل الجاهلي للجوار تبجيلاً يبلغ درجة القداسة أحياناً((2)).
ولذلك يمكن القول إن إكرام الجار واجب على المجير وحقٌ للمجار، يقول المثقب العبديّ((3)):
أُكرمُ الجارَ، وأرْعَى حَقَّهُ ... إنَّ عِرفَانَ الفَتَى الحَقَّ كرمْ
فإكرام الجار حقّ، وعرفان ذلك دليل على طيب الجار، وكرم الأخلاق.
(1) رصد- وهب رومية القيم التي سادت شعر المديح في العصر الجاهلي، فتبين له أن قيمة حسن الجوار هي القيمة الأولى (انظر رومية- د. وهب، 1981م قصيدة المدح حتى نهاية العصر الأموي وزارة الثقافة، دمشق، ص34- 35).
(2) يُسَمَّى الجار لحرمته هَدِيّاً تشبيهاً له بما يهدى إلى البيت الحرام. انظر ديوان شعر المتلمس ص143- 145، وشعر زهير ص138، والنقائض 1/52، 101.
(3) ديوان شعر المثقب العبدي ص229. ومثل ذلك إكرام الضيف، فهو حقٌ له، وواجب على المضيف. انظر ديوان الخنساء ص198، وديوان السموءل ص13، وشرح ديوان لبيد ص173، وشرح اختيارات المفضل 3/1557، ومعجم الشعراء ص442.