والحرص على شرف الجارات وحصانتهن لا ينفي إمكانية أن تميل بعض قلوب المتجاورين إلى بعضهن، وقد صرح بعض الشعراء بميلهم إلى جاراتهم((1)). وفي تصريحهم ما يدل على أن حبّ الجار لجارته ليس معيباً، ما دام مقصوراً على إبداء العواطف. وأما القرب منها طلباً لوصالها فأمر معيب؛ فالشاعر الأعشى على مجونه يقول((2)):
ولا تَقْرَبنَّ جارةً إنَّ سِرَّها ... عليكَ حرامٌ، فانكِحَنْ أو تَأبِّدا
فالجارة محرّمة، وعلى الراغب فيها أن يتزوجها، وفي ذلك إقرار ضمني بالحرمة المطلقة للجارة المحصنة أو أن يتعفف، ويتركها لشأنها، وقد اشترط الأعشى للزواج بالجارة إلا يكون بهدف استغلالها، وذلك في قوله يمدح سلامة ذا فائش الحميري((3)):
وَقَوْمُكَ إنْ يَضْمَنوا جَارةً ... يَكُونوا بِمَوْضِعٍ أنْضَادها
فَلَنْ يطلُبوا سِرَّها للغْنَى ... ولن يُسلمُوها لإزْهَادِها
فقوم سلامة إذا جاورتهم امرأة يقومون مقام أهلها، ولا يطمعون في مالها، فيسعون إلى الزواج منها إن كانت غنية، ولا يضيقون بها إن كانت فقيرة، إن الأعشى لا يرتضي العبث بالجارات، كما لا يرتضي الزواج بهن إلا رغبة فيهن لا في أموالهن.
(1) انظر ديوان بشر ص297، وشرح ديوان الأعشى ص115- 116- 150، وشرح أشعار الهذليين 1/73، وقصائدجاهلية نادرة ص120، 139.
(2) شرح ديوان الأعشى ص103. وسرّها: فرجها، وتأبد: ابق عازباً طوال العمر. وكان عبث بعض المجيرين بالجارات أمراً معيباً، يستحق الهجاء (انظر ديوان أوس ص75، والنقائض 1/197- 198، و2/1058).
(3) شرح ديوان الأعشى ص128. والأنضاد: الفراش والأرائك.