تبيتُ لبوني بالقُرَيَّة أُمَّناً ... وأسْرَحُها غِباً بِأَكنْافِ حائِلِ
بنو ثُعَلٍ جيرانُها وحَمُاَتُها ... وتُمْنَعُ منْ رُماةِ سَعْدٍ ونائلِ
فأموال المجار تحظى بالرعاية والحماية فتنمو، وتكثر، وفي ذلك يقول عمرو بن الخثارم البجلي يمدح بني أفصى((1)):
ألا منْ كان مُغْتَرباً فَإنّي ... لغُرْبته على أقصَى دليلُ
يُغَنَونَ الغنيَّ على غناهُ ... وَيَثروُ في جوارهم القليل
فالغني في جوار بني أفصى يزداد غنىً، والفقير برعايتهم وحمايتهم ثرياً.
وفي أخبار الجاهلية وأشعارها ما يدل على المبالغة في حماية الجار ورعايته، وفي الحفاظ على أمواله. والحرص على نمائها؛ فبنو بجيلة كانوا ((إذا جاورهم جار عمدوا إلى ماله فأحصوه، ودفعوه إلى ثقة، فإنْ مات له شاة أو بعير أخلفوه عليه حتى ينصرف موفوراً، فإن مات قبل أن يصير إلى وطنه ودوهُ، وإن قتل طلبوا بدمه((2)). وبنو بجيلة ليسوا حالة خاصة، فقد وصف زهير إكرام بني عُليم الكلبيين لجارهم بقوله((3)):
ضَمْنُتمُ مَاَلهُ، وغَدا جَميعاً ... عليكُمْ نَقْصُهُ، وَلَهُ النَّماءُ
ومدح الحطيئة جوار قوم فقال((4)):
همُ المتضمنونَ على المنايا ... بمالِ الجار ذلكمُ الوفاءُ
وعلى المجير أن يقدّم للمجار المحتاج الطعام، ولا سيما في أوقات المحل، حتى يغدو المجار كأنه واحد من أهل المجير، ومن الأشعار الدالة على ذلك قول يزيد بن حمانَ السكوني يمدح بني شيبان((5)):
ومن تكَرمِهم في المَحّلِ أنَّهُمُ ... لا يَعْلَمُ الجارُ فيهْم أنَّهُ الجَارُ
(1) معجم الشعراء ص60.
(2) النقائض 1/142.
(3) شعر زهير ص136.
(4) ديوان الحطيئة ص87. وفيه ((فقالوا له: إن مات لك بعير أخلفناه عليك بعيرين، وإن ماتت لك شاة أخلفنا عليك شاتين، وإن مات لك إنسان وديناه)). وانظر مثل ذلك في ديوان طرفة ص177، والأغاني 16/402، والنقائض 1/408.
(5) شرح ديوان الحماسة 1/301. وانظر مثل ذلك في ديوان عدي ص147، وديوان حسان ص151.