ولأن القوة شرط لازم للمجير كان المغترب عن قومه لا يستطيع أن يجير أحداً، وهو مقيم بعيداً عنهم، يقول الأعشى في اغتراب الإنسان عن أهله((1)):
متى يَغْتَربْ عَنْ قَوْمِهِ لا يَجْد لَهُ ... عَلَى مَنْ لهُ رَهْطٌ حَواليْهِ مُغْضَبَا
وليس مُجِيراً إنْ أتَى الحيَّ خائفٌ ... ولا قائلاً إلا هُوَ المُتَعيِّبا
وأما ادعاء طرفة بن العبد بأنَّ جار قومه يُجيرُ من يلجأ إليه((2)) فمن المرجح أنه مبالغة من الشاعر في وصف قومه بالعزة، وبإكرامهم الجار، ومما يرجح ذلك أن الأخنس بن شريق الثقفي- كان حليفاً لقريش، ومقيماً في مكة بعيداً عن موطنه الطائف- قال حين طلب منه إجارة الرسول (صلى الله عليه وسلم): ((إنَّ حليف قريش لا يجير على صميمها))((3)). ومما يؤكد أن الأضعف لا يجير على الأقوى قول سهيل بن عمرو العامريّ حين طلب منه إجارة الرسول(ص):((إنَّ بني عامر بن لؤي لا تُجير على بني كعب بن لؤي!)((4)) ومن المعروف أن بني كعب أعظم منزلة في قريش من بني عامر.
(1) شرح ديوان الأعشى ص40.
(2) انظر ديوان طرفة ص184.
(3) ديوان حسان ص243، ولكن يفهم من هذا الخير ومن شعر طرفة أن الجار قد يجير إذا كان عزيزاً، ولكن إجارته لا تقبل إن كانت على مجيريه؛ فهو عائد بهم، ولا يقبل منه أن ينصر أحداً عليهم.
(4) المصدر السابق ص243. وكان ضعف بعض الجاهليين سبباً رئيساً لإخفار جوارهم أو إعراض قومهم عن إمضائه. انظر بعض الأخبار والأشعار الموحية بذلك في شرح أشعار الهذليين 1/851- 852.