إن نفي معاوية لصفة الامتناع عن إجارة المعوزين والمخوفين عن قومه يثبتها لغيرهم، ويدل بذلك على أن لطالب الإجارة أن يقصد من يرغب بجواره((1))، وعلى أن للمرغوب أن يقبل أو يرفض جوار ذلك الطالب.
وثمة أنواع من الجوار لا تحتاج إلى تعاقد أطرافها تعاقداً رضائياً مباشراً، فالأعراف الجاهلية ترى أن التقارب المكاني وحده كاف ليكون حرمة بين المتقاربين، ولربطهم برابطة الجوار؛ فالمستجير بالقوم له حرمة تبدأ بطلب الاستجارة، وإن لم ينل الموافقة عليها، وكانوا يسمّون ذلك المستجير هديّاً، يقول زهير ذاكراً حرمة الهديّ، وحرمة الجار((2)):
فلمْ أَرَ مَعْشَراً أسروا هَدِيّاً ... ولم أرَ جارَ بَيْتٍ يُسْتَباءُ
وشبيه بذلك من يجالس قوماً، فإنّ له حرمة عندهم تشبه حرمة من يجاورهم، ويدل على ذلك قول زهير((3)):
وجارُ البيتِ والرَّجُلُ المنادي ... أمَامَ الحيِّ عَقْدهُمَا سَوَاءُ
ومن ذلك أيضاً اجتماع قبائل شتىً في مكان واحد أيام الكلأ، فتقع بينهم الألفة، ويكون تجاورهم حرمة بينهم، ويقال لأولئك المجتمعين: خليطٌ. يقول وعلة الجرمي مظهراً حرمة الخليط، وشبهه بالجوار((4)):
سائِلْ مجاوِرَ جرمٍ: هل جنيتُ لهُمْ ... حرباً، تُفرقُ بين الجيرة الخُلُطِ؟
(1) ثمة مظاهر لطلب الإجارة ترافق التعبير عن ذلك باللسان (انظر الأغاني 11/110، 120) وكان بعض المظلومين يدّعون أنهم في جوار بعض السادة، فيقبل أولئك السادة جوارهم، وينصرونهم (انظر الأصمعيات ص168، والأغاني 13/23).
(2) شعر زهير ص138. وفيه قول الأعلم: ((الهِديّ: الرجل ذو الحرمة، وهو المستجير بالقوم ما لم يجرَ أو يأخذ عهداً)), ويستباء: تؤخذ امرأته. وانظر ديوان شعر المتلمس ص143- 144.
(3) شعر زهير ص138. والمنادي: المجالس.
(4) اللسان: (خلط). والخُلُط: جمع خليط، وقد يكون الخليط جمعاً.