وحين لا تكون بين المجبر والمجار قرابة نسب يدعى المجار بالجار الجنبُ، فهذا من يجيء إلى من تُرجى نصرته ((ويسأله أن يجيره، أي: يمنعه، فينزل معه، فهذا الجار الجنب له حرمة نزوله في جواره، ومنعته، وركونه إلى أمانه وعهده))((1))، وفي ذلك يظهر الفارق الدقيق بين الحلف والجوار؛ فالأصل في الحلف المعاقدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، أي: على تبادل المصالح بين أطراف متكافئة، وأما الأصل في الجوار فهو طلب الضعيف النصرة والمساعدة من القوي. وهذا يعني أن المنتمين إلى رابطة الجوار غير متكافئين، ولكن ذلك لا ينفي وجود مصالح مشتركة تتطور بها حياتهم، باختيارهم الواعي لتلك المصالح.
إن الانتماء إلى رابطة الجوار أساسه عقد اختياريّ بين أطرافها، وهذا الاختيار يكون تلبية لطلب إجارة يقبل به المجير، وهو غير ملزم بقبول إجارة من يلجأ إليه، فقد تمتنع الجماعة عن إجارة اللاجىء إليها رغبة في تجنب حروب قد يجلبها ذلك الجوار((2))، وقد تأبى الجماعة أو الفرد إجارة اللاجىء لفقر أو بخل أو ضعف، ويدل على ذلك قول معاوية بن مالك مفتخراً بقومه((3)):
بل لا نقولُ إذا تبوَّأَ جيرةٌ ... إنَّ المَحَلةَ شِعْبُها مكدودُ
إذ بَعْضُهمْ يَحمي مراصِدَ بيتهِ ... عنْ جارهِ، وسبيلُنا مَوْرودُ
(1) اللسان: (جور). وقد ذكر الجار الجنيب في شرح ديوان لبيد ص318.
(2) انظر ما يدل على ذلك في أخبار الحارث بن ظالم المريّ في الأغاني 11/103.
(3) أشعار العامريين الجاهليين ص55. ومكدود: ضيق.