وإنّي لأشوي للصّحَاب مَطيَّتي ... إذا نزلوا وَحْشاً إلى غيرِ منزلِ
إنه يفخر بشواء اللحم لأصحابه، وبمثل ذلك رثت الخنساء صخراً، فقالت((1)):
فظلَّ يُشوّي لأَصحابهِ ... وظلَّ يُحيَّا، وظلُّوا شُروبا
تلك هي الصداقة، إنها تحالف بين شخصين أو عدة أشخاص، وكل صداقة تشكل انتماء صغيراً داخل المجتمع الجاهلي، ويبدو من كثرة أحاديث الشعراء عن الصداقة أنها كانت شائعة، ومؤثرة في الحياة الاجتماعية. وانتماء الصداقة أساسه الاختيار والاصطفاء، ولذلك يكون قابلاً للاستمرار وللانقطاع أيضاً؛ فالعلاقة الجدلية بين الأصدقاء قد تؤدي إلى تمتين عرى الصداقة، حين تتقارب أهواؤهم ومشاربهم، وتتشابه أقوالهم وأفعالهم، فمجموعة الأصدقاء تتشكل من أشخاص متشابهين، يقول طرفة((2)):
عَنِ المْرءِ لا تَسْألْ وأَبْصِرْ قَرينهُ ... إنَّ القَرينَ بالمُقارنِ مُقْتَدِ
وقد تؤدي العلاقة الجدلية بين الأصدقاء إلى انفراط عقد الصداقة حين تتنافر قلوبهم، وتتضاءل مصالحهم المشتركة؛ فالنابغة الجعدي لا تنقاد نفسه إلى صديق ماكر مخادع، ولا يرى حلاًّ لذلك إلا بهجره((3))، وعبيد بن الأبرص لا يبتغي ودّ امرىء قلّ خيره، ولكنّه يصل الصديق، ولا يتجنبه، يقول عبيد((4)):
ولا أبتغي ودَّ امرىءٍ قَلَّ خَيرُهُ ... وما أنا عَنْ وَصْلِ الصديقِ بأَصْيَدِ
ولماذا لا يتجنب الصديق؟ الجواب في الشطر الأول!
***
(1) ديوان الخنساء ص193. والشروب جمع شرب، وهم القوم الذين يشربون.
(2) ديوان طرفة ص151.
(3) انظر شعر النابغة الجعدي ص25- 26.
(4) ديوان عبيد ص55. وأصيد: متكبّر، ومتجنّب.