تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن ما يحصل حين يقع الشر بين قبيلتي رجلين بينهما روابط مودّة وصداقة؟ في الإجابة عن ذلك التساؤل يقول إحسان النص: ((وهنا أيضاً نجد أن العصبية تفصم عرى هذه المودة، وسرعان ما تنقلب صداقة الرجلين إلى ضدّها، فإذا كل منهما للآخر عدوٌّ مبين))((1)) ولكن القول السابق لا يصدق دائماً؛ ففي أخبار الجاهلية ما يدل على أن عرى الصداقة مقدمة على عرى العصبية عند بعض الجاهليين؛ فقد مكّن خداشُ بن زهير العامري قيسَ بن الخطيم الأوسيّ من قتل قاتل جدّه، وهو ابن عمّ لخداش، وذلك تعبير عن وفاء خداش لرابطة الصداقة التي كانت تربطه بوالد قيس((2)).

في الإجابتين السابقتين يتجلّى الجدل بين انتماءين، يتلاقيان وينتجان قيماً متطورة؛ فبين الأصدقاء، سواء أكانت أنسابهم قريبة أم متباعدة، رعاية ومودّة وتناصر وتعاون واحترام؛ وكانت الصداقة سبباً في قبول الصريح بالقيام بأعمال يأنف منها عادة؛ فالأنفة من القيام بأعمال الخدمة تعصباً للنسب تتضاءل أمام رابطة الصداقة؛ فالصديق، ولاسيما في السفر، يبادر على خدمة رفاقه، يقول الشماخ يمدح فتى كريماً((3)):

وأشعثَ قدْ قدَّ السِّفارُ قَمِيصَهُ ... وَجَرُّ الشِّواءِ بالعَصَا غيرَ مُنْضَجِ

فهذا الفتى يبذل نفسه، ولا يصونها عن التعمل في السفر، فتقطع قميصه لتحمله عن أصحابه أثقال المهن، وهو فتى كريم إن دعوته أجابك، وأسرع إل نجدتك، وافتخر عمرو بن شأس بمثل ذلك فقال((4)):

(1) العصبية القبلية ص114. وقد استشهد (النص لذلك بقتل بني عبس لحمل بن بدر الفزاري صديق قيس بن زهير سيد بني عبس. وقد وصف قيس حملا بأنه خير الناس، وأن عليه أن يبكيه أبداً لولا ظلمه لبني عبس وبغيه عليهم. انظر الأغاني 17/209.

(2) انظر الأغاني 3/6-7.

(3) ديوان الشماخ ص80، وغير مُزلَّج: غير لئيم.

(4) شعر عمرو بن شأس ص53. والوحش: أراد مكاناً وحشاً؛ أي قفراً.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤٥٦