ويقول أكثم بن صيفيّ: ((القرابة تحتاج إلى مودة، والمودة لا تحتاج إلى قرابة))((1))، وبذلك تكون الصداقة، والمودة شرط لازم لها، أشملمن القرابة النسبية؛ فالمودة قد تقع بين الأقارب، وقد تقع بين الأباعد، ولعلّ أشمل علاقة ودّ ذُكرت في الشعر الجاهلي قول المتلمس الضبعي، في مقتل طرفة بن العبد((2)):
منْ مُبْلغُ الشُعراءِ عن أخَوَيْهمُ ... خَبَراً، فَتَصْدقَهمُ بذَاكَ الأنْفَسُ
أودَى الذي عَلِقَ الصَّحيَفَة منْهُما ... وَنَجا- حِذَارَ حبائِهِ- المتَلمِّسُ
أَلقْىَ صَحيفتهُ ونَّجَّتْ كُورَهُ ... عَنسٌ مُداخَلةُ الفَقَارةِ عِرمِسُ
فالشعراء إخوة، ولذلك راح المتلمس يحذرهم من غدر عمرو بن هند ملك الحيرة؛ فذكرهم ما فعله بأخيهم طرفة، وبأخيهم المتلمس، وقد عبّر المتلمس بذلك عن وعيه بوجود رابطة تجمع بين الشعراء، وهي رابطة مهنية لا نسبية؛ فالشعراء إخوة لأنهم يمتهنون إبداع الكلمة الشاعرة، ولأن لهم هموماً مشتركة، ولأن لهم أساليب متشابهة في التفاعل مع تلك الهموم.
(1) الع قد الفريد 2/313.
(2) ديوان شعر المتلمس ص177- 178. والكور: الرَّحْل. والعنس: الناقة القوية. والمداخلة: التي دُوخِل بعضها ببعض. والعرمس: الناقة الصلبة.