إنّ فخر الجاهلي بصراحة نسب أصدقائه لا ينفي إمكانية أن يكون نسبهم بعيداً عن نسبه، وإنّ في تفاعل الإنسان الجاهلي مع غيره خارج دائرة انتمائه القبلي ما يحتم حدوث صداقات بين أناس من قبائل شتىً، وقد أظهرت الأخبار والأشعار الجاهلية عدداً منها؛ فخفاف بن ندبة السُّلمي كان نديماً وصديقاً لحضير الكتائب سيد الأوس، وقد قتل حضير، فرثاه خفاف((1))، وكان بين رجل من طيىء والربيع وعمارة ابني زياد العبسيين مودة، فقال يرثيهما((2)):
فإنْ تكنُ الحوادِثُ جَرَّبتني ... فَلَمْ أرَ هالكاً كأبْنَي زيادِ
هُمَا رُمحانِ خطّيانِ كانا ... من السُّمرِ المثقفةِ الصِّعادِ
تُهالُ الأرضُ إنْ يطآ عليها ... بمثلهما تُسالمُ أو تُعادي
وهكذا نجد أن أصدقاء الإنسان الجاهلي قد يكونون أقارب أو أباعد، وبذلك يكون فخر الجاهلي بنسب أصدقائه الصريح ليس تعصباً للانتماء النسبي بل مظهراً متطوراً له؛ فالجاهلي يهتم بالنسب الصريح لأصدقائه، ولكنه لا يشترط القرابة النسبية لإقامة الصداقة، وفي ذلك تجاوز متطور لدائرة الانتماء النسبي، يقول الأعشى موصياً ابنه((3)):
فإنَّ القريبَ مَنْ يُقرِّبُ نَفْسَهُ ... لَعْمرُ أَبِيكَ، لا مَنْ تنسَّبا
(1) انظر شعر خفاف ص70، والأغاني 17/132- 133. وقد وقفت على أسماء بضعة سُلميين لهم أصدقاء من قبائل مختلفة، ولعلّ ذلك دليل على شدّة تفاعل سُليم مع غيرها. انظر ديوان حسان ص168- 169، وديوان دريد ص69- 70، والنقائض 2/673، وشرح أشعار الهذليين 3/1212، 1227، وديوان امرىء القيس ص347.
(2) الأمالي 2/1. والصعاد: جمع صعدة، وهي القناة المستوية. وكان لرجل من بليّ نديمان من بني كلب (انظر ديوان حسان ص287)، وكان خداش بن زهير العامري صديقاً للخطيم الأوسي (انظر الأغاني 3/6-8).
(3) شرح ديوان الأعشى ص40.