لقد كانت أغلب تفاعلات الإنسان الجاهلي مع أخيه الإنسان تتم داخل دائرة الجماعة القبلية التي ينتمي إليها، ولذلك يتوجب أن يكون أصدقاء الجاهلي على الأغلب من المنتمين إلى دائرة انتمائه القبلي؛ وفي الشعر ما يدل على أن القريب قد يكون صديقاً، كقول عامر بن الطفيل يرثي ابن أخيه عبد عمرو بن حنظلة بن الطفيل((1)):
وهَلْ داعٍ فيُسمِعَ عبدَ عمروٍ ... لأُخْرَى الخَيْلِ تَصْرَعُها الرّماحُ
فلا وأبيكَ لا أنْسى خَليلي ... بَبدوَةَ ما تَحَرَّكتِ الرياحُ
وكُنْتَ صَفِيَّ نَفْسي دون قَوْمي ... وَوُدّي دُونَ حامِلةِ السِّلاحِ
فالصداقة ها هنا رابطة جديدة تضاف إلى رابطة النسب وتقويها، فابن الأخ صفي وودّ لعمه دون قومه عامة، ودون فرسانهم خاصة، فهل كانت القرابة النسبية شرطاً مسبقاص للصداقة؟
ليس في الشعر الجاهلي ما يشير إلى وجوب أن يكون الصديق قريباً نسبه، ولكن فيه ما يوحي بالتعصب للنسب الصريح، فالجاهلي حين يفخر بأصدقائه وندمائه، يترنم بأنسابهم الصريحة، كقول عمرو بن قميئة((2)):
وندمانٍ كريمِ الجدِّ سَمْحٍ ... صَبَحْتُ بسُحْرةٍ كأساً سَبيّا
وقول نبيه بن الحجاج((3)):
وندامَى بيضُ الوُجوه كهولٌ ... وشبابٌ أسهرتُ ليلاً طويلا
غير هُجنٍ لا لئامٍ ولا تعـ ... ـرفُ منهم إلاّ فتىً بُهلُولا
فنديم عمرو كريم الجدّ، وندامى نبيه غير هجن ولئام. وافتخر أبو كبير الهذلي بأنّه يصحب إلى الحرب لداتٍ أصفياء لنفسه، صرحاء، ليست أمهاتهم أمهات سوء((4)).
(1) ديوان عامر ص39. وبدوة: جبل بنجد. وقد يدعى الأخ صاحباً (انظر ديوان الشماخ ص455)، وكذلك أبناء العمومة (انظر ديوان الحطيئة ص227، وشرح أشعار الهذليين 1/138).
(2) ديوان عمرو بن قميئة ص131. والسبية: الخمر تنقل من بلد إلى آخر.
(3) الأغاني 17/286. والبهلول: السيد الجامع لصفات الخير. وانظر شرح ديوان الأعشى ص94،270، وشرح اختيارات المفضل 2/622- 624.
(4) انظر شرح أشعار الهذليين 3/1071.