فالجاهلي يحرص على تكوين صداقات مع أناس كرماء، تتطور بهم حياته؛ فهم أنصاره على مصاعب الحياة، وهم أنسه في اقتطاف مباهجها((1))، ولا غرابة، والحال كذلك، أن تعظم الصداقة في نفوس الجاهليين؛ فالجاهلي يقبل بشهادة أصحابه كقول حاتم الطائي((2)):
فلا تَسْأَلِيني واسألي بي صُحْبَتي ... إذا ما المَطيُّ بالفلاةِ تَضَوَّرا
وقبول حاتم بشهادة أصحابه على صبره وبلائه دليل على تعظيمه للصداقة تعظيماً يُذكر باستشهاد الصريح على حسن بلائه في الحياة بأقاربه، ومثل ذلك التفدية بالأصحاب كقول المعرور التيمي لكلدة بن الحارث التيمي((3)):
فداءٌ خالتي وفدىً صديقي ... وأهلي كلّهمْ لأبي قُعَينِ
إنه يفدي أبا قُعين بأغلى الناس، بأقاربه من جهتي أمه وأبيه، وبصديقه، والجمع بين الأقارب والصديق ها هنا يوحي بتقارب منزلتهما في نفس الشاعر.
إنّ ما ذُكر عن الصداقة في الصفحات الآنفة يستدعي إلى الذاكرة ما قيل عن ترابط المنتمين إلى نسب صريح واحد؛ فالحقوق الواجبة للصديق على صديقه شبيهة بما يجب للقريب على قريبه، والصداقة، مثل النسب الصريح، تمنح المرتبطين بحبالها رعاية وأمناً، وتحظى باحترام الجاهليين وتقديرهم، فهل كانت رابطة الصداقة وجهاً آخر لرابطة النسب الصريح في الجاهلية؟
(1) يرى عبيد بن عبد العزى السَّلامي أن العيش في ثلاثٍ هي المنى، من نالها، فلا خوف عليه وهي على التوالي صحابة فتيان، وكأس رويةٍ، وربة خدر (انظر قصائد جاهلية نادرة ص128). فالصداقة عند عبيد متعة بذاتها، بل هي المتعة الأولى في حياته.
(2) ديوان شعر حاتم ص256. تضوّر: تلوّى من الجوع أو الألم. وانظر شرح ديوان لبيد ص186، وقصائد جاهلية نادرة ص144.
(3) معجم الشعراء ص438. وانظر ديوان حسان ص200. وفي ديوان عمرو بن قميئة ص39- 41، تفدية للأصحاب بالخالة.