تلك صور من الحياة التي تشد الإنسان إلى أخيه الإنسان بعرى الصداقة؛ وهي عرى تبدو من خلال الشعر متينة غالباً؛ وفي تتبع تصوير الشعراء للصداقة الحقّ تتراءى للمستقصي علاقة الصداقة في نسيج لا يقلّ متانة عن علاقة النسب. فالصديق لا يهجو صديقه((1))، بل يحافظ على عهده في حضوره وفي غيابه((2))، والصديق يحلم على صديقه((3))، ويحسن استقباله((4))، ويحوطه بالرأفة والرعاية والإكرام((5))، ويقاتل دفاعاً عنه((6))، ويشركه بماله((7))، وينجز وعده((8))، وقد يفديه بنفسه؛ فقد آثر كعب بن مامة رفيق سفره بحصته من الماء، فنجا الرفيق، ومات كعب عطشاً((9)) والصديق يأسى لفقدان أصدقائه((10))، ويحرص على الثأر لهم، وعلى تنفيذ وصاياهم، يقول عبد الله بن ثور العامري((11)):
بانَ الخليلُ وأوصانِي بأثؤرةٍ ... ألا لأُميَ إنْ لم أفعلِ الهَبَلُ
وإلى جانب ذلك ظهر في الشعر الجاهلي حرص الصديق على عرض صديقه وشرفه يقول حاتم الطائي((12)):
رُبَّ بَيْضَاءَ، فَرْعُها يَتَثَّنى ... قَدْ دَعَتْني لِوْصلها، فَأَبيْتُ
(1) انظر شعر زهير ص256- 257، وديوان حسان ص171.
(2) انظر شعر عبدة ص85.
(3) انظر ديوان شعر المتلمس ص268.
(4) انظر ديوان ذي الإصبع ص94.
(5) انظر ديوان شعر حاتم ص174، وشرح اختيارات المفضل 3/1369، وعيون الأخبار 1/340- 341.
(6) انظر نسب قريش ص213، وديوان شعر حاتم ص249.
(7) انظر ديوان شعر حاتم ص286، ومعجم الشعراء ص86.
(8) انظر ديوان الخنساء ص21.
(9) انظر معجم الشعراء ص441.
(10) انظر ديوان دريد ص38، وديوان الطفيل ص40 وديوان النابغة ص211، وديوان تأبط شراً ص78- 85.
(11) قصائد جاهلية نادرة ص159.
(12) ديوان شعر حاتم ص243. والخدن: الصديق الذي يكون معك ظاهراً وباطناً في كلّ أمر. وافتخر قيس بن الخطيم (ديوانه ص80) بأنه لا يستميل حليلة صاحبه.