تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن انعقاد حلف الفضول يدلّ على مستوى رفيع من الوعي الذي بلغه بعض سادة قريش؛ فقد أوكلوا لأنفسهم مهمة أن ينصروا كل مظلوم بمكة، فقاموا بالمهام التي توكل عادة بقبيلة المظلوم أو جيرانه أو حلفائه، وعبّر أولئك السادة عن انتمائهم إلى جماعة تمتلك مشاعر إنسانية نبيلة لا يحدّ منها انتماء نسبيّ ولا مكانيّ ولا تعاقديّ، إنهم ينصرون المظلوم في مكّة غير آبهين بنسبه أو موطنه أو حلفه أو جواره، ولكن ذلك لا ينفي وجود مصلحة لقريش كلها في ذلك الحلف؛ فقد ضمن لها استمرار توافد التجار إلى مكةن،وصلات حسنة بالقبائل، وتحققت بذلك مصالح مشتركة تطوّرت بها قريش، وتطورت بها قبائل أخرى.

وتحالف الجماعات مظهر من جدل الإنسان الجاهلي، وهو يسير نحو التواصل، بخطوات تقسم المجتمع تارة، وتوحّده أخرى، وهي في أثناء التقسيم والتوحيد تتجاوز دائرة الانتماء النسبي بخطوات متفاوتة، بلغت ذروتها في حلف الفضول.

وقد حققت أحلاف الجماعات للمنتمين إليها بإرادتهم ووعيهم حمايةً وأمناً خارج دائرة الانتماء النسبي، دون أن تلغي مهمته، ومن الشعر المعبر بإيجاز عن ذلك قول حاجز بن عوف، وكان قومه بنو سلامان حلفاء لبني مخزوم القرشيين، مفتخراً((1)):

قَمْ سَامانُ إمَّا كُنْت سائلةً ... وفي قريشٍ كريمُ الحلفِ والحسب

إنّه يفخر بقومه (بالانتماء النسبيّ) ثم بحلفائه (بالانتماء الحلفيّ)، فالانتماء الثاني لم يلغ الأول بل أضاف إليه إمكانات جديدة أسهمت في تطور المتحالفين الذين اكتشفوا بالخبرة العملية الطاقات الكبيرة الكامنة في تقارب الجماعات ووحدتها بناء على أسس تعاقدية تحقق مصالح مشتركة للمتحالفين غالباً، ولغير المتحالفين أحياناً.

***

(1) قصائد جاهلية نادرة ص80.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤٤٤