وإذا كان لبعض الأحلاف أظفارٌ أنشبت في أجساد أعدائها، وتسببت في الآلام والفرقة فإنَّ أحلافاً أخرى لم تعقد لأهداف حربية، بل كانت غايتها استتباب الأمن، ونعيم الناس في ظلاله؛ فقد أحدثت قريش نظام الإيلاف، فتعاقدت مع بعض القبائل عقوداً ضمنت بها سلامة القوافل التجارية الذاهبة من مكة والقادمة إليها، وتحققت بها مصالح مادية نعم بها الداخلون في نظام الإيلاف جميعاً((1))، وقريب من ذلك (حلف الفضول)، وهو حلف تنادى إلى إقامته عدد من سادات قريش بمكة، حين كثرت المظالم فيها، وراح بعض المتجبرين والسفهاء من سكانها يظلمون التجار الذين يؤمون مكة، باغتصاب أموالهم((2))، وانتهاك أعراضهم((3))، واجتمع لذلك رؤساء بني هاشم وبني المطلب وبني زهرة، وبني تيم ((فاحتلفوا إلاّ يدعوا أحداً يظلم بمكة أحداً إلا نصروا المظلوم على الظالم وأخذوا له بحقهُ))((4)) وقد استطاع حلف الفضول أن يحقق الغاية التي عقد لأجلها، ومما يدل على ذلك أن لميس بن سعد البارقي قدم مكّة، فظلمهُ أبي بن خلف، فأخذ له حلف الفضول حقه من أبيّ، فقال((5)):
وناديتُ قومي بارقاً لتجيبني ... وَكَمْ دوُنَ قوَْمي مِنْ فَيافٍ ومن سهبِ
سيأبى لكم حِلفُ الفُضُول ظُلامتي ... بني خلفٍ والحقُّ يُؤْخذُ بالعضبِ
(1) انظر شعر قريش ص38. وقد مُدح بنو عبد مناف القرشيون بأخذ الإيلاف لقريش من القبائل. انظر شعر عبد الله بن الزبعري ص54.
(2) انظر بعض الأخبار والأشعار الدالة على ذلك في الأغاني 17/228- 290.
(3) انظر خبر رجل من خثعم، غلبه نبيه بن الحجاج السهمي على ابنته، وذلك بعد عقد الحلف، في الأغاني 17/285.
(4) المحبر ص167. وانظر تفضيلاً لذلك في الأغاني 17/291- 293، وشعر قريش ص39. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد الحلف قبل بعثته.
(5) معجم الشعراء ص254. انظر مثل ذلك في الأغاني 17/285- 287.