كانت القبائل الأكثر تعصباً لنسبها لا تحالف أحداً، ولا تدخل أحداً معها، وهم جمرات العرب. وقد ((أطفئت جمرتان من جمرات العرب: بنو صبّة، لأنها صارت إلى الرباب فحالفتها، وبنو الحارث لأنها صارت إلى مذحج فحالفتها))((1))، وقد مدج سلمة بن الخرشُب الأنماريّ بني ذبيان بأنهم كثر ينزلون مياهاً مختلفة، ولكنهم متواصلون، لا ينقطع بعضه عن بعض بغرباء أو حلفاء، يقول سلمة((2)):
وأمْسَوا حلالاً ما يُفرَّق بينهُمْ ... عَلَى كلِّ ماءٍ بين فَيْدَ وساجِرِ
ومن التعصب للنسب الأبوي على الحلف أن تحاول القبيلة تقويض حلف أقامه بطن منها مع بطن من قبيلة أخرى؛ فقد حالفت الحرقة (بطن من جهينة) بني سهم بن مرّة من غطفان ((فهمت غطفان بأكلهم، فخافوا، فانصرفوا فلحقهم حصين (بن الحمام المري، سيد بني سهم) وفردّهم، وشدّوا الحلف بينهم))((3))، وفي ذلك يقول بشامة بين الغدير((4)):
فإمَّا هَلَكْتُ، ولم آتِهمْ ... فَأبْلغْ أماثِلَ سهمٍ رسولا:
بأنْ قومكُمْ خُيِّروا خصْلَتيـ ... نِ، كلتاهُما، جَعَلوها عُدُولا:
خزْي الحياة وحَرْبُ الصديقِ ... وكُلاًّ أراهُ طَعاماً، وبيلاً
فإنْ لم يَكُنْ غيرُ إحداهُما ... فسيروا إلى الموتِ سيراً جميلاً
(1) العقد الفريد 3/367.
(2) شرح اختيارات المفضل 1/168. والحلال: جمع حلة، والحلة مائة بيت ومائتا بيت. وفيد وساجر: موضعان.
(3) شرح اختيارات المفضل 1/278.
(4) المصدر السابق 1/295- 297. ولم آتهم: الضمير يعود على بني سهم. وقومكم: غطفان. والوبيل: الذي لا يُستمرأ.